|
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  |
| كاتب الموضوع | رسالة |
|---|
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة الجمعة ماي 30, 2008 4:31 pm | |
| المشهد الخامس: المكان: المدرسة الزمان: بعد انتهاء اليوم الدراسي..
خرجت سوسن والشرر يتطاير من عينيها ووجهها محتقن بالدماء.. كانت تغريد تنتظر والدتها كالعادة عند درج المدرسة وهي تتحدث إلى ياسمين التي قابلتها بالصدفة هناك.. لم تقف والدتها ولم تنظر إليها.. فقط أشارت لها أن تلحقها.. أشعرتها تلك الحركة بالغضب.. خاصة وأنها فعلتها أمام ياسمين.. لكنها لم تجد بدًا من اللحاق بها فاستأذنت من ياسمين بلطف ولحقت بأمها التي ضلت طوال الطريق ساكتة.. أحست تغريد أن هناك شيئًا ما.. ينتظرها وكان إحساسها في محله.. فما أن وصلا إلى البيت وأغلق الباب حتى صرخت سوسن في وجهها قائلة:
- ألم أقل لك ابتعدي عن شلة الشر؟ لكنك لا تسمعين الكلام.. أيعجبك ما حصل؟
- وماذا حصل؟
- تتاغبين هه؟
تذكرت تغريد أحداث اليوم ولمعت عيناها وقد ساورها خوف شديد من والدتها التي تابعت قائلة:
- ألا تعرفين ماذا فعلت؟ لقد جعلت أشواق تحرجني أمام كل المعلمات.. بتصرفك الغبي ألا تقدرين وضعي؟ ألا تحترمين مكانتي أمام المعلمات؟
- أنا لم أفعل شيئًا يستدعي كل هذا..
- أتنكرين جريمتك أيضًا؟
- أية جريمة؟
- هل لك أن تخبريني ماذا كنت تفعلين وقت حصة العربي؟
- كانت ميار متعبة يا ماما.. وكانت بحاجة إلى أن تتكلم..
- ولم تجد تلك الميار وقتًا تتكلم فيه إلا وقت الحصة؟
- كان هناك موضوع مهم تريد أن...
قاطعتها سوسن مهددة:
- اسمعي يا تغريد.. أنا اهتم بك وأرعاك أنت وأختك وأتحمل مسؤوليتكما وحدي.. وأتعب.. وأسهر الليالي.. وأهلك نفسي في العمل.. ثم تأتي تلك الشلة الشقية لتخربك ويذهب جهدي سدى!!
- لماذا تصرين على أنهم يخربوني؟
- يعني أنا أتبلى عليهن؟ أم أن رؤيتي غير صحيحة؟
ضربت تغريد بقدمها الأرض معبرة عن سخطها وقالت:
- أنا لم أعني ذلك.. لماذا تؤولين كلامي على هواك؟
- أترفعين صوتك علي يا تغريد؟
- أنا لم أرفع صوتي.. لكنك ترفضين سماع وجهة نظري..
- ماذا تريديني أن أسمع؟ يكفي ما سببته لي من إحراج اليوم.. ترسمين وقت حصة الجغرافيا وتهربين من حصة العربي.. أين وجهة النظر في هذا!!
- حصة الجغرافيا أنا لا أحبها..
- ستحبينها لو أردت ذلك..
- هذا خارج عن إرادتي يا ماما..
- الإرادة نحن نتحكم فيها وليس هي من يتحكم فينا..
- كل البنات يحببن بعض المواد ويكرهن أخرى.. لماذا أنا لا؟
- لأنك لست مثل البنات..
- يا سلام بنت الملك أنا!!
- لا لست بنت الملك..إنك ابنة سوسن موسى وعليك أن تدركي ذلك وتراعيه.. أفهمت؟؟
- ماما.. أنت تبالغين باهتمامك بي.. أنا إنسانة ومن حقي أن يكون لي أصدقاء وحياة وشخصية وحرية اختيار..
- يا سلام.. هذه ما علمته لك ميار؟
- ليس لميار أي يد في كلامي.. هذا رأيي أنا.. أنا بحاجة إلى شيء من الحرية..
- أي حرية هذه التي تريدينها؟ إهمال الدروس والتسكع وقت الحصص؟؟ أهذه هي الحرية التي تريدينها؟؟ أنا لن أسمح لك بذلك أتسمعين؟
- لا أقصد ذلك بل أشياء أخرى.. أنت لا تسمحين لي بالخروج ولا السهر مع صديقاتي ولا حتى استخدام الهاتف هذا لا يجوز.. أنا أشعر أني في سجن..
- الآن صارت الحياة معي سجن؟
- لم أقل ذلك لكن...
- اسمعي يا تغريد.. إذا كانت حياتك معي لا تعجبك.. فسأرسلك لبيت أهل أبيك.. فهم سيعلمونك كيف تكون الحرية ويخرجونك من سجني..
- ماما لماذا لا تفهميني؟
- نهايته.. أنت محرومة من المصروف لمدة أسبوع.. وإذا رأيتك مع تلك الشلة يا ويلك..
قالت تلك الجملة وغادرت المكان متوجهة إلى غرفتها وصفعت الباب خلفها بقوة.. وتوجهت تغريد لغرفتها هي الأخرى.. ونيران الغضب التي تشتعل داخلها تكاد تحرق المكان من حولها.. لكنها ورغم تلك المشاعر السلبية كانت تفكر في طريقة تستطيع بها استخدام الهاتف لتوصل خبر إيجابي لبقية بنات الشلة.
المشهد السادس: المكان: بيت ميار الزمان: في المساء
اجتمعت العائلة الصغيرة المكونة من ميار ووالديها وأخيها الصغير دانيال.. أمام مائدة العشاء.. كانت ميار لا تشعر برغبة في الأكل.. لكنها كانت تجامل والدتها بمشاركتهم في تناول الطعام.. كانت سلاف تشعر بما تجاهد ابنتها لفعله.. ولذلك كانت ترفع عينيها بين كل فترة وأخرى لتراقبها وتتأكد من أنها تأكل حقًا ولا تمثل.. ثم بادرت بسؤالها:
- ألم يعجبك الطعام يا عزيزتي؟
أجاب حمزة عوضًا عنها:
- بهاره قليل.. وماسخ.. احضر علبة الشطة يا دانيال..
نهض دانيال للمطبخ انصياعًا لأوامر والده.. بينما قالت ميار وهي تنهض:
- سلمت يداك يا أمي.. أنا شبعت.. تصبحون على خير..
نظرت سلاف لزوجها بغضب وقالت:
- أنت لا تشعر بالبنت؟ تبدو مريضة..
- البنت بصحة جيدة وليس فيها شيء..
- يبدو أنها بحاجة إلى طبيب وبعض الفحوصات..
- أنت تبالغين.. لا تعذبي البنت بالفحوصات.. دعيها تذاكر أحسن لها..
- لماذا لا تصدقني؟ ألم تلاحظ شحوبها.. وقلة شهيتها للطعام وعدم مقدرتها على النوم؟
- شغلك في المستشفى يجعلك تتوهمين أشياء غير حقيقية..
قال ذلك وهو يرش الشطة في طبقه بدون اكتراث لكلامها.. طالعته بغضب ثم نهضت وأخذت معها بعض الأطباق وتوجهت بهم إلى المطبخ وتركته هو ودانيال يكملا عشائهما..
بينما دخلت ميار غرفتها ورغم رغبتها الملحة في أن تدفن جسدها المتعب تحت اللحاف الدافئ إلا أنها قاومت تلك الرغبة بإرادة قوية وتوضأت ووقفت تصلي وبعد أن انتهت من الصلاة جلست على السجادة في وهن تتأمل الغرفة بعينين أتعبهما البكاء والأرق وطول التفكير.. وقع نظرها على صورة معلقة على الجدار كانت صورة مرسومة بألوان الزيت لكوخ ريفي تحيط به الأشجار الخضراء الجميلة وعلى الجانب الأيمن نقش توقيع سارة الحاج بإتقان.. امتلأت عيناها بهالة ضبابية من الدموع حتى اختفت تلك اللوحة الفنية الرائعة عن مستوى رؤيتها،
قالت هامسة وهي تحدث صاحبة الرسم: هل ستسامحينني يا سارة رغم أني تسببت في موتك يا حبيبتي؟ ربما كان الموت خيرٌ لك من الحياة فقد كان قلبك متعبًا حزينا رغم أن شمس ابتسامتك لا تغيب.. لكن أن أكون أنا سبب موتك ذلك فوق ما أستطيع تحمله.. رغم أني لم أقصد أن أقتلك لكني أردت أن أساعدك فكنت مثل الدب الذي قتل صاحبه.. رماه بحجر لينقذه من لسعة ذبابة.. ما أغباني لقد أردت أن أحميك من أذى ذبابة فرميتك إلى أذى أكبر منه يا حبيبتي.. سامحيني.. سامحيني أرجوك..
رفعت عيناها لسقف الغرفة وقالت بحديث صامت: وأنت يا رب؟ هل ستعاقبني لأني تسببت في موت أعز صديقاتي؟ أم أنك ستعذر جهلي و....
ثم قطعت حديثها الخفي ذاك بأن ضربت الأرض بيديها وهي تخفض رأسها في ألم.. وقد تساقطت الدمعات غزيرة من عينيها حتى بللت الأرض.. وتابعت حديثها بصوت خفيض: وغبائي.. نعم جهلي وغبائي.. وأتبعت حديثها الهامس ذاك بنوبة حادة من البكاء..
رن هاتفها المحمول.. ناظرت الساعة.. من يتصل بي في هذا الوقت يا ترى؟ وسرعان ما أدركت من خلال نغمة الرنين المميزة أن من يتصل عليها ما هو إلا تغريد.. نعم هذه هي النغمة التي خصصتها لتغريد.. نهضت بتثاقل.. حتى وصلت للهاتف حملته بوهن وردت على الاتصال وهي تلقي بجسدها على الفراش فجاءها صوت تغريد وفيه لمسة ابتهاج: مرحبا
تساءلت ميار: غريب.. لم تكن كذلك عندما تركتها آخر مرة.. وقبل أن تطلب منها توضيح سبب ابتهاجها بادرت تغريد تسألها:
- كنت نائمة؟ أيقظتك؟
- لا.. لم يغمض لي جفن..
- توقعت ذلك..
هزت ميار رأسها بتفهم.. وقد أدركت أن حال صاحبتها هو نفس حالها.. سألت بوهن:
- ما الأمر؟ ما الذي يدعوك للاتصال بي في هذه الساعة؟ هل جدّ جديد؟
- كنت سأتصل لأطمئن عليك سواء جد جديد أم لا.. لكني كنت أنتظر نوم المعلمة حتى أتمكن من استخدام الهاتف على راحتي (سكتت قليلاً ثم تابعت بلهجة رطبها الانشراح) : ولكن جد جديد..
- وما هو الجديد؟
- الجديد يا عزيزتي يجعلنا ننام الليل ونحن مرتاحي البال ولا نخاف من شيء
- وما هو؟
- هو ما يريحنا من تأنيب الضمير ويبرأنا من دم سارة..
- هيا قولي وإلا سأخرج لك من السماعة..
ضحكت تغريد وقالت:
- هيا افعليها.. فكم أنا بحاجة إلى وجودك إلى جانبي!
- تغريد.. لست حمل مزحك ورب العزة..
- اتضح أن الخادمة هي من قتل سارة..
- روزالي؟ وكيف قتلتها؟
- لا أعلم بالتفاصيل..
- ولماذا أصلاً تقتلها؟
- قلت لك إني لا أعلم بالتفاصيل.. هذا فقط ما قالته لي ياسمين..
- وأين رأيت ياسمين؟
- لقد رأيتها نهاية الدوام وأنا أنتظر ماما..
- يعني عرفت من عشر ساعات ولم تخبريني؟
- كنت سأتصل بك وأخبرك.. لكن...
- وما الذي منعك؟
- مشكلة صغيرة
سألتها ميار بقلق:
- وما المشكلة؟
- تلك المعلمة الخبيثة فتنت علي عند أمي
- من؟ معلمة أشواق؟
- نعم.. لقد أخبرت ماما بما حصل مني ومنك وعلى رؤوس الأشهاد.. أمام كل المعلمات تصوري؟
- ولماذا تفعل ذلك؟
- لأنها تكره ماما وتغار منها..
- وطبعًا أمك وبختك..
- لم توبخني فقط.. بل حرمتني من المصروف لمدة أسبوع.. وصرخت في وجهي وعنفتني وقالت أني غير جديرة بثقتها ولا حبها واهتمامها ورعايتها لي.. والأجدر أن تسلمني لأهل أبي حتى ترتاح مني ومن مشاكلي.. و... كلامًا كثيرًا جدًا..
- يا لله.. سببت لك مشكلة يا حبيبتي سامحيني..
- لا عليك منها.. غدًا تنسى..
- أخاف أن تغضب منك..
- أفضل.. حتى لا تأتي إلى الفصل وتسرح شعري..
ضحكت ميار وقالت:
- الله عليك كل شيء تقلبينه لفكاهة.. يا تغريد..
ردت تغريد بلهجة حزينة:
- تعبت من الحزن والبكاء.. أريد أن أهرب منهما ما استطعت..
تنهدت ميار وقالت:
- بعد سارة لا يوجد فرح..
- لو كان الحزن يعيدها لعاد بابا.. فأنا والمعلمة بكينا عليه حتى تعبنا..
- صدقت..
- والآن.. أنا متعبة وأريد أن أنام.. وأنت نامي أيضًا حتى لا تنامي في المدرسة..
- حسنًا.. إلى اللقاء.. - مع السلامة.
أغلقت ميار الخط.. وخلعت إحرام الصلاة ورمته بجانبها على السرير.. واستسلمت للنوم الذي لم تذقه منذ فترة طويلة.
المشهد السابع:
المكان: ساحة المدرسة
الزمان: اليوم التالي..
ارتفع صوت ياسمين وهي تقول لبعض البنات:
- حتى تعرفن أن سارة لم تمت منتحرة.. تلك الخادمة قتلتها..
سألتها إحداهن:
- ولم؟
- لأنها مجرمة..
- وكيف عرفت أنت؟
- خالة سارة تكون زوجة عمي.. وأم سارة هي التي أخبرتها..
قالت إحدى البنات:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. كثرت الخادمات اللاتي يقتلن الأطفال والآن وصل القتل للكبار أيضًا..
ردت أخرى:
- أنا ابتدأت أخاف من خادمتنا.. وصرت أقفل الباب على نفسي في الغرفة..
- معك حق.. أنهن مخيفات حقًا.. لم يقتصر عملهن على السحر فقط.. بل وصل للقتل..
- هل سجنوها؟
- لا, حقوقوا معها وأفرجوا عنها.. لكنها تحت المراقبة..
كانت ميار واقفة غير بعيد عن ذلك المشهد.. تنتظر صديقتيها أن يخرجا من مقصف المدرسة.. طالعتها ياسمين فتظاهرت أنها لم ترها.. وهمت ياسمين أن تبتعد لولا أن نادتها تغريد التي لمحتها وهي تخرج نفسها من بين أمواج الطالبات المتزاحمات عند المقصف.. فاستجابت للنداء بعد تردد.. قالت لها بعد أن استوت بين بنات الشلة:
- تعالي كلي معنا.. حسبت حسابك يا ياسمينة..
قالت نجلاء: - لا تخجلي هيا..
وامسكتها من يدها وتوجهن جميعًا نحو المكان المعتاد تحت الشجرة.. إلا أن ميار وقفت قليلاً.. وقالت للبنات وهي تشير على مكان مغاير لوجهتهن:
- عن أذنكن أنا سأذاكر هنا.. فأنا لم أستعد لإمتحان جيدًا..
قالت ياسمين:
- لا تتحججي بالمذاكرة يا ميار.. أنا من سيذهب..
قالت تغريد:
- لا يا ياسمينة.. ميار لا تقصد..
قاطعتها ياسمين قائلة بحدة لميار:
- ألهذه الدرجة تكرهيني يا ميار؟
خفق قلب ميار بسرعة.. وأوجعتها دموع توارت في عيني ياسمين وهي تهم مبتعدة.. استوقفتها ميار بأن أمسكت بيدها وهي تقول لها: - أرجوك لا تفهميني خطأ.. أنا لا أكرهك.. - لكنك تتجنبيني ولا تحبين النظر إلي.. والآن تريدين أن تنزوي عن صديقتيك فقط حتى لا تكوني معي ماذا تسمين ذلك؟ محبة؟ أنا أحس بكل حركاتك.. لست حجرًا..
طالعتها ميار بعينين دامعتين وكم كانت تلك الدموع التي تدحرجت على خديها مفاجأة حقيقية لياسمين.. التي توقفت تنظر لميار في ذهول.. قالت ميار أخيرًا بصوت متهدرج:
- ربما حان الوقت لتعرفي لماذا لا أريد أن أراك.. ليس لأني أكرهك يا صغيرتي..
سنعود بعدقليل _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة الخميس يونيو 12, 2008 9:04 am | |
| تدرووووووووووون والله تحمست لما شفت الموضوع مثبت وقلت بكمل الموضوع
^_^ _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة الخميس يونيو 12, 2008 9:12 am | |
| الحلقة الثامنة
كنا قد علمنا أن تقرير الطب الشرعي جاء بمفاجأة أذهلت الجميع وهي وجود نفس المادة التي تسببت في موت سارة مذابة في كأس عصير وجد في غرفتها مما يعطي مسارًا جديدًا للقضية وهو أن سارة قد ماتت بفعل فاعل قد زج لها الأقراص في العصير وكل ما قام به العقيد زافي وفريقه من تحقيقات يشير إلى أن روزالي الخادمة هي المذنبة.
المشهد الأول
المشهد الأول في هذه الحلقة هو نفس المشهد الذي انتهت عليه الحلقة السابقة حيث كانت ميار تتحدث إلى ياسمين التي تحسست من معاملة ميار لها ومواقفها التي كانت تدل على أنها لا تتقبل وجودها ولا ترتاح لها عندها أحست ميار أنها تسببت في جرح ياسمين وكان لابد لها أن توضح وجهة نظرها وتبرر لياسمين سبب ردة فعلها الحادة تلك، طالعتها ميار بعينين دامعتين وكم كانت تلك الدموع التي تدحرجت على خديها مفاجأة حقيقية لياسمين.. التي توقفت تنظر لميار في ذهول.. قالت ميار أخيرًا بصوت متهدرج: - ربما حان الوقت لتعرفي لماذا لا أريد أن أراك.. ليس لأني أكرهك يا صغيرتي.. (استمعت لها ياسمين باهتمام فتابعت قائلة) : لا أستطيع أن أراك.. لا أستطيع.. (أشاحت بوجهها عنها كما تفعل في كل مرة وقالت بألم) : لأنك تشبهينها كثيرًا يا عزيزتي.. أتذكرها كلما رأيتك.. أمنع نفسي بالقوة من أن أرتمي بين ذراعيك.. وأنا أتخيلك أنك هي!! - ألهذه الدرجة أنا أشبهها في عينيك؟ تأملت ميار ملامحها بعمق وقالت بمرارة: - كثيرًا جدًا.. ولولا الحفر التي أحدثها مرض الجدري في وجه سارة لكنت أيقنت أنك هي لا محالة.. كانت تلك المرة الأولى يحدث بينهما مثل هذا الالتقاء.. وأول مرة يدور بينهما حديث.. بعد الالتباس الذي حصل بعد وفاة سارة عند عودة ميار للمدرسة.. تألمت ياسمين لمعرفة هذه الحقيقة المرّة التي تكنها ميار في صدرها المشحون بالآلام.. لكنها لم تملك شيئا تفعله سوى أنها أخذت ميار في حضنها وشاركتها البكاء وضعت تغريد يدها على رأس ياسمين وقالت تحدث ميار: - صحيح ياسمين تشبه سارة قليلاً.. لكن هذا ليس معناه أن تتجنبيها وتتفادى النظر إليها.. ألست تحبين رؤية سارة؟ ألا تحبين النظر إلى رسوماتها التي تزين غرفتك؟ ألا تتذكرينها في كل حين؟ ردت ميار قائلة وهي تبعد نفسها عن ياسمين وتمسح دموعها بيديها: - بلى.. - إذاً ستحبين لقاء ياسمين.. كما أحببناه نحن.. قالت نجلاء: - سارة تعيش في قلوبنا ولا نستطيع أًبدًا أن ننساها.. ورؤيتنا للأشياء أو الأشخاص الذين يذكرونا بها يجب أن يفرحنا ولا يحزننا يا ميار.. ردت ميار باستسلام: - صحيح.. - والآن.. دعونا من هذه العقد الطفولية.. ودعونا نأكل قبل أن ينتهي وقت الفرصة.. ابتسمت ميار على مضض وجلست البنات الأربع.. يتناولن الفطور.
المشهد الثاني الزمان: نفس الزمان المكان: بيت سارة
كان فتحي يلبس ملابسه ليخرج إلى مؤسسته.. في حين كانت كرامة تنشف شعرها بالمنشفة.. فنظرت إليه وقالت: - سأذهب مع روزالي إلي قسم الشرطة.. نظر غليها وقد ملئه الغيظ: - ألن تتراجعي عن قرارك؟ - كيف تريديني أن أبقى مع قاتلة ابنتي في بيت واحد؟؟ - أجزمت أنها هي القاتلة؟ - فسر لي وجود الأقراص في العصير الذي أعدته هي بنفسها.. أطرق يفكر وقد ساورته الكثير من الأفكار.. ثم قال ليس تفسيرًا لسؤالها أنما جوابًا لسؤالها الأول: - إذا كنت لا تريدين أن تعيشي معها في بيت واحد كما تقولين فأعيديها إلى بلدها أفضل.. استشاطت غضبًا وصرخت قائلة: - تقتل ابنتي وأعيدها معززة مكرمة؟ ما رأيك أن أعطيها مكافأة أيضا؟ - ما شاء الله على الحب والحنان.. - تسخر من اهتمامي بابنتي؟ - الآن صار ابنتك تهمك؟ عندما كانت على قيد الحياة لم تهتمي بها ولم ترعيها ولم تكرسي حتى ربع وقتك لها.. والآن تهتمين بقضيتها وتشغلي جل وقتك من أجلها.. ألم يكن الأجدر بك أن تظهري كل هذا الحب والحنان لها وهي فوق الأرض بدل أن تفعلي ذلك بعد أن أصبحت تحت الأرض؟.. (فتح باب الغرفة ثم قال وهو يخرج) : ثقي أنها تستفيد من حبك الآن.. الأفضل أن تشغلي وقتك بشيء مفيد.. وتدعي لها بالرحمة.. بدل أن تتهمي الأبرياء بقتلها.
أوجعها كلامه.. وهي تتذكر أحداث حياتها السابقة في وجود سارة.. نفضت رأسها حتى لا تشعر بتأنيب الضمير أكثر من ذلك.. ثم جففت شعرها بسرعة ولبست ثوب من أثوابها السود.. ونزلت إلى المطبخ حيث كانت روزالي ثم قالت لها بصيغة آمرة: - هيا البسي سنخرج.. - إلى أين يا سيدتي؟ - لا تسألي.. البسي وهيا بسرعة..
لم تجد روزالي بدًا من أن تنصاع لأوامر كرامة.. لبست بسرعة.. ولحقت بكرامة للسيارة.. وهي خارجة من باب الشقة استدارت تنظر للداخل.. ثم إلى الحديقة الصغيرة.. وإلى أرجوحة سارة التي كانت تهتز بفعل الهواء.. لا تعلم لماذا انتابها شعور أنها لن ترى هذا المنظر ثانية.. صعدت إلى سيارة كرامة وقبعت في الكرسي الخلفي في هدوء وسكون.. كانت هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها سيارة كرامة من الداخل.. لقد ألفت الطريق إلى قسم الشرطة.. ولذلك فقد عرفت الوجهة التي رفضت كرامة الإفصاح عنها.. نزلت كرامة.. ونزلت هي وراءها.. حتى وصلتا إلى مكتب زافي الذي اعتذر عن مقابلتها لظروف خاصة.. التقت بليغ ودخلت إلى مكتبه بينما جلست روزالي في الخارج عند الحارس.. كانت تشعر أن وجودها في هذا المكان.. ليس من أجل استجوابات عابرة.. فنظراتهم إليها وأسئلتهم لم تكن عادية.. كرامة بالأمس كانت تنظر إليها وكأنها مجرمة.. لم تكن تعاملها جيدًا في السابق لكن الأيام الأخيرة الفائتة كان الوضع متوترًا جدًا بينهما.. بل وأحست أنها تنوي بها شرًا.. كانت التحقيقات مرهقة بالنسبة لها.. فهم يكررون عليها نفس الأسئلة وكأنهم يريدون أن يوقعونها في خطأ ما.. في هذه اللحظة كلهم كانوا ينظرون إليها بنظرة ارتياب.. وهي تشعر بالتوتر والاضطراب.. فليس عاديًا.. أن تدخل امرأة ريفية مثلها.. قسم الشرطة كل يوم تقريبًا.. ولسبب تجهله.. فهم لم يخبروها بما استجدت عليه القضية ولا بوجود الأقراص في كأس العصير الذي أعدته هي بنفسها لسارة قبل أن تموت بعدة ساعات..
اليوم كان في رأس كرامة.. قرار ما.. كانت تريد أن تبلغه لزافي.. لكنها وبعد اعتذاره بلغته لبليغ الذي لم يتردد لحظة في تنفيذ طلبها ورغم كراهيته الشديدة لشخصها إلا أنه نفذ ما أرادت.. فخرج من مكتبه وطلب أن تؤخذ روزالي للزنزانة.. وقد امتلأت نفسه بالارتياح.. لأنه يعتبر وجود روزالي في بين القضبان حرب نفسية.. تجعلها تقر وتعترف بقتلها لسارة.. توجه لمكتب زافي ودخل بعد أن سمع إذنًا بالدخول وقف أمام زافي الذي أشار له بالجلوس والانتظار ريثما ينته من هاتفه كان يكلم زوجته قائلاً: - وماذا عن البوفيه؟.. ممتاز.. حسنًا سأذهب بعد نصف ساعة لاستلام باقات الورد.. أنهى المكالمة والتفت لبليغ قائلاً: - طبعًا.. ستحضر عرس ابنتي يا بليغ.. لست بحاجة إلى دعوة.. - طبعًا.. طبعًا يا سيدي.. - هه.. طمئني ما آخر أخبار قضية سارة؟ - وضعنا الخادمة في الزنزانة.. - لم تثبت عليها التهمة بعد فلما تضعونها في الزنزانة؟ - أين سنضعها يا سيد زافي؟ في فندق خمس نجوم!! - لماذا لا ترجعونها لبيت الحاج؟ - مدام كرامة.. رفضت أن تأخذها إلى بيتها بحجة أنها لا تستطيع أن ترى قاتلة ابنتها..
لم يعلق زافي فقد كان مشغولاً بحفل زفاف ابنته.. وبما وراءه من مسؤوليات ولذلك وكّل الأمر لبليغ وخرج فهو سيغيب يومين عن عمله ليتفرغ للحفل والمعازيم.
المشهد الثالث الزمان: قبل منتصف الليل بساعتين المكان: مركز هيلثي فودز لبيع المواد الغذائية..
ابتسم علاء حين وقع بصره على شخص طالت فترة بحثه عنه وراح يناديه بصوت عالٍ: - لقد عدتُ يا عبد العزيز أشار له عبد العزيز أن ينتظر لأنه كان مشغول مع أحد الزبائن فوقف ينتظره وخلفه مجموعة من زملائه الذين كانوا يتغامزون بسخرية ويضحكون, قال أحدهم: - أرأيتم فأر المخازن الذي خرج من مخبأه؟ - رأيناه يتنطط.. قال آخر: - وهل عرفتم لماذا خرج من مخبأه يا أصحاب؟ - لماذا؟ - حتى يقابل فأر المساجد.. ثم تعالت أصواتهم بالقهقهات الساخرة.. طالعهم علاء بغضب وتوجه نحوهم وقال لهم بصبر نافذ: - أنتم تتكلمون عنا؟.. - نحن نتكلم عن فأر المخازن.. أنت فأر المخازن؟؟ قال آخر وهو يضحك: - ربما يعتقد نفسه فأر المساجد.. - أنا أفهم قصدكم من فأر المخازن وفأر المساجد.. رد أحدهم ببرود: - مثل فأر المدينة وفأر القرية.. ألم تسمع هذه القصة وأنت طفل؟
طالعهم عبد العزيز الذي انتهى لتوه من عمله مع الزبون تقرب توجه نحوهم.. ثم وضع يده على كتف علاء وقال بهدوء شديد رغم أنه كان يغلي من الداخل: - كانت قصة جميلة مفادها أن فأر المدينة لا يستطيع العيش في القرية والعكس صحيح.. يعني فليرضى كلاً بحياته ولا يتدخل في حياة غيره.. نظر إليه علاء وقال ببلاهة: - أنت لم تعرف ما يعنون أنهم... قاطعه عبد العزيز قائلاً: - أعرفها إنها قصة جديدة فيها الكثير من الفئران الذين يجتمعون عند ثلاجات الألبان ويتدخلوا في حياة الآخرين.. تلفت الشباب حولهم فوجدوا أنفسهم عند ثلاجات الألبان فعلاً فأحسوا أن عبد العزيز هو من كسب الجولة وأنه رد سخريتهم عليهم بحكمة.. ومنعوا أنفسهم بالقوة من أن يوسعوه وصاحبه ضربًا انتقامًا لما فعل.. إلا أنه لم ينتظر حتى يعطيهم تلك الفرصة.. بل رمقهم بنظرة انتصار ثم شد على يد صاحبه ومضى به مبتعدًا وجلس يستمع له بصمت وهو يقول مشتطاً: - أسمعت ماذا أسمونا؟ أنا فأر المخازن وأنت فأر المساجد!! قاطعه عبد العزيز قائلاً: - إنهم أجبن من أن يقولوا اسمينا صراحة.. - لكنك أفحمتهم.. ورددت كيدهم عليهم.. ضحك عبد العزيز وقال: - وانقلب السحر على الساحر.. - صحيح..
تأمل عبد العزيز ملامح علاء البريئة وسأله: - كأنك كنت تبحث عني؟ - آه.. فعلا لكن أولئك الفئران.. شغلوني - دعك منهم الآن وطمئني.. من اتصل عليك وخرجت مسرعًا؟ تذكر علاء تلك الأحداث فصرخ قائلا: - أنا مذهول بما حدث وأشعر وكأنه حلم أخاف أن أستيقظ منه فاصدم بالواقع.. - هيا شوقتني.. - أخشى أن أخبرك فلا تصدقني.. - ستخبرني أم أقرص أذنك؟ - ليتك تفعل حتى أتأكد أني لا أحلم! طالعه عبد العزيز بصبر نافذ ثم قرص أذنه بلطف فقال علاء مستسلمًا: - حسنًا.. سأقول، ولكن سرح أذني.. سرح عبد العزيز أذنه وهو يضحك فقال علاء: - اسمع يا سيدي... - سمعت.. - أرأيت؟؟ أنت الذي تقاطعني.. - لن أقاطعك هيا تكلم.. - لقد اتصل بي عمي وطلب أن يلقاني في القهوة.. وطلب لي كوبًا من الشاي.. وطلب لنفسه شيشة.. - المهم.. دعك من التفاصيل الصغيرة أخبرني ماذا قال لك؟ ضحك علاء وقال: - لابد أن أشوقك.. - يبدو أنك ستفقد أذنك اليوم.. ضغط علاء على نفسه ليكتم ضحكاته بالقوة ثم تابع: - قال لي الزواج سنة الحياة والشاب عندما يكبر يجب أن يستقر ويتزوج فتاة تساعده وتخدمه! - طلبك فقط ليعطيك محاضرة عن الزواج!! - هذا ما بدأ به حديثه.. - ثم؟ - ثم سألني لماذا لا تتزوج علاء؟
فتح عبد العزيز عيناه على مصراعيهما وقد أسكتته الدهشة فصرخ علاء قائلاً: - ألم أقل لك أن الأمر كالحلم؟ - هذا هو عمك بكر الذي حدثتني عنه أم أحدٌ غيره؟ - بلى هو ذاته.. - سبحان الله.. وماذا قلت له؟ - بعد أن أفقت من غيبوبة الصدمة وقلت له أنني كنت فعلاً أفكر في الأمر.. لكني لا أملك المصاريف.. - لا تقل لي أنه عرض عليك أن يساعدك؟
هز علاء رأسه بالإيجاب وهو يبتسم فسأله عبد العزيز: - وما هي ردة فعلك أنت؟ - شكرته.. وقلت له أني لن أتعبه في البحث عن عروس.. ضحك عبد العزيز وقال: - ألم يتفاجأ عندما أخبرته بوجود عروس؟ - تفاجأ طبعًا وسألني عنها فقلت له أنها صديقة أختي.. - وهل هي صديقة أختك حقا؟ - هي تعرفها معرفة سطحية لأننا كنا جيران عندما كنا صغار.. لكنهما ليستا صديقتين.. لكني لم أحب أن أقول له أني أعرفها - جيد أن لا توضح له أنك على علاقة بها، لكن كان عليك أن لا تكذب.. - لم يكن أمامي خيارًا آخر (صمت قيلاً يفكر ثم قال) : رغم أنه لم يقل أي شيء ألا أني متأكد أن لعمي فائدة من تزويجي.. - يا رجل قدّم النية الحسنة.. - نية حسنة مع عمي بكر!!
ضرب عبد العزيز كف علاء وقال بتفاؤل: - بغض النظر عن نية عمك.. المهم أننا سنفرح بك يا عريس.. ارتسمت على شفتي علاء ابتسامة عريضة وتشرب وجهه الأسمر بحمرة الخجل وعقب قائلا: - المهم أن يوافق كريم.. - ومن هو كريم؟ ضحك علاء وقال: - والدها.. رد عبد العزيز بلهجته المتفائلة المعهودة: - سيوافق إن شاء الله.. (ثم التفت إليه وتابع قائلاً) : أرأيت نتائج وصفتي؟ طالعه علاء بانبهار وقال له: - الحق.. إنها وصفة سحرية.. من يتوقع أن يأتي عمي بكر ويعرض علي هذا العرض السخي!.. ويكون قلبه لينًا علي لهذه الدرجة.. بصراحة لو حدث هذا مع أحدٌ غيري ما صدقته.. - لا تعجب من أمر الله يا علاء.. فالكون كله ملكه وهو المتصرف فيه.. {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.. - لا أستطيع حتى الآن أن أصدق ما حدث.. كأنه سحر ورب العزة.. ألا ترى ذلك معي؟ - إن الله قريب منا يا علاء.. يجيب دعواتنا إذا دعوناه بصدق ويقين وابتعدنا عن المعاصي والذنوب لأنها من أهم أسباب انقطاع الرزق ومحق البركة.. التوبة والاستغفار والدعاء المخلص هم من يجلب الرزق والبركة والتوفيق.. وهي من أسباب استجابة الدعاء.. - ونعم بالله.. في الحقيقة أنني لم اشعر بهذه المشاعر من قبل.. - يبدو أن زواجك من هذه الفتاة خير وبركة عليك يا علاء.. تنهد علاء ونفسه مشحونة بالرضا.. وهو يتخيل نجلاء التي تسكن قلبه.. وينبض فؤاده بحبها.. وأحس أن كل ما كان يساوره من مخاوف بدأ يتبدد.. ثم قال: - ادعي لي بالثبات والتوفيق يا عبد العزيز..
طالعه صاحبه بحنان وقال وهو يضغط على يده بقوة: - أكيد أدعي لك، بدون توصية يا أخي. تبادلا نظرات مشحونة بالمودة ثم قاما لعمل الجرد اليومي فقد انتهى الدوام.
المشهد الرابع الزمان: نفس الزمان المكان: بيت بكر عم علاء
دخل بكر على زوجته التي كانت تنتظره بفارغ الصبر والتي ما أن وقع بصرها عليه حتى صرخت بلهفة: - هه.. أخبرني ماذا فعلت؟ ألقى بجسده على الفراش بعد أن رمى سترته بعيدًا وقد بدا عليه الضيق ففهمت أنه فشل في مهمته دون أن يتكلم فقالت هي: - هل رفض أن يقابلك؟ هز بكر رأسه بالسلب فسألت ثانية: - ألم يوافق على الزواج؟ أكيد رفض عنادًا فينا.. جلست إلى جانبه وتابعت قائلة: - .. أنا أعرف ابن أخيك.. يكره أن يفعل شيء نطلبه منه حتى لو كان فيه مصلحته.. هزت أكتافه وقالت بصبر نافذ: - إلى متى ستضل ساكتًا أخبرني بما حدث.. اعتدل في جلسته وقال وهو يتذكر الأحداث الفائتة: - كأن في الأمر سحر يا سامية.. - سحر من أي نوع؟ - لا أدري.. - لولا أنه يبدو عليك الاستياء لقلت أنه هو الذي فاتحك في الموضوع.. وطلب منك يد البنت.. قال بضيق: - لم يفعل.. - هل فعلت ما قلته لك حرفيًا؟ رفع صوته بغضب قائلاً: - مشيت على نفس السيناريو الذي وضعته يا حضرة المخرجة الباهرة.. وليتني ما فعلت.. هذا الذي يمشي وراء مشورة النساء.. قالت وفكرة رفض علاء تسيطر على تفكيرها: - لماذا؟ ألم تعرض عليه أنك ستساعده؟ - عرضت.. - لماذا رفض إذًا؟ - ليته رفض.. - ماذا تعني؟ أقلقتني.. - ما أن فاتحته في الموضوع حتى قال لي أنه يرغب في خطبة صديقة ناريمان.. - صديقة تلك الطفلة البدينة! - قلت لك الأفضل أن تكلمي ناريمان فهي بيدها أن تؤثر عليه.. لكنك رفضت.. لأن كرامتك لا تسمح لك.. دعي كرامتك تنفعك الآن.. - وأنت لماذا لم تكلمه عن سمر؟ - وهل تريديني أن أدلل على ابنتي يا امرأة؟ - طبعا تفعل بعقل وحكمة.. لا أن تستسلم لفكرة أن تزوجه من صديقة ناريمان! - ضاع مني الكلام ولم أعرف ماذا أقول له.. لا أعرف ما الذي أخرسني.. فوجود العروس التي يريدها أذهلني.. - ما زلنا فيها تذهب إليه ثانية وتكلمه مرة بالشدة ومرة باللين حتى تقنعه ويوافق.. - فات الأوان.. - لماذا؟ - ونحن جالسان في القهوة مر علينا كريم فناداه علاء واتفقنا معه على موعد.. - من كريم؟ - كريم الأحمد.. - كريم الأحمد جارنا؟؟ - هو بعينه - أنت أكيد تمزح مريم بنت إقبال مازالت في الإعدادي.. - ليس مريم وليس بنت إقبال.. - إذًا من؟ ابنة زوجته المطلقة؟ - نعم.. - والذي أسرى بمحمد أنت أحمق كيف تفعل ذلك؟ - لن تصدقي كيف أن الأمور جرت بسرعة وكأنه مخططًا لها.. كأنه سحر.. قالت باستخفاف: - سحر؟؟ أم أنك لم تجد التصرف؟ - أنا لم أجد التصرف؟؟ أم فكرتك البلهاء؟ - فكرتي أنا البلهاء أم أنت... (توقفت قليلاً وكأنها تذكرت شيئًا ما ثم قالت بقلق) : أخاف أن السحر قد جعلك تخبره بشأن البيت أيضًا؟ - لا لم أخبره.. تنفست الصعداء ثم قالت: - هذا هو الشيء الوحيد الذي أجدته.. لو كنت أخبرته لخسرنا كل شيء.. - مصيره يعرف.. - ليس من مصلحتنا أن يعرف الآن (سكتت قليلا ثم سألته) : ومتى موعد زيارة بيت كريم؟ - ومن قال لك أني سأذهب معه فليذهب إلى الجحيم.. قالت بخبث: - لا يا عزيزي إذا فعلت ذلك وخذلته لن يثق بك ثانية.. - والحل؟ - الحل هو أن تكسبه في صفك.. تذهب معه لخطبة ابنة كريم
فتح بكر عينيه وفمه على مصراعيهم تعبيرًا عن دهشة كبيرة وقال: - ناقص أن تقولي ارقص في عرسه أيضًا!! - طبعًا لأنه عرسه سيكون عرس ابنتنا.. - كيف؟ - اسمعني حتى النهاية.. - قولي يا فيلسوفه.. - كريم لن يوافق أن يزوج ابنته لواحد مثل علاء.. - وإذا وافق؟ - هذه مهمتك أنت.. أن تزهد كريم في علاء والعكس.. - ولماذا هذا كله.. لا أذهب منذ البداية وانتهى الأمر.. - إذا لم تذهب معه أنت سيجد أحدٌ غيرك يذهب معه.. لكن إذا ذهبت أنت ووضحت لكريم وضع ابن أخيك المادي وأنه يعمل في محل تجاري وبالكاد يجد قوت يومه وأنه مسؤول كذلك عن أخته ودراستها وأنه سيسكن ابنته في شقة حقيرة ليس لها فيها سوى غرفة واحدة وبقية الشقة ستشاركها فيها أخته البدينة وأنه لن يستطيع أن يشتري لها حتى فستان واحد في السنة.. هل تشك أنه بعد مثل هذه الديباجة سيوافق؟ نظر إليها بانبهار وقال: - أنت داهية.. ابتسمت ثم تابعت قائلة: - ثم تقول لعلاء أن ابنة عمه ستره وغطاؤه وأنك تشتري رجل ولا يهمك مال الدنيا الزائل فيقتنع أنه لن يجد من ترضى به وسيشعر تجاهنا بالامتنان لأننا قبلنا تزويجه لابنتنا رغم ظروفه السيئة وبهذا تنتهي القصة لصالحنا.. نظر إليها ومازالت عيناه مشحونة بالانبهار من فكرتها التي أقل ما يقال عنها أنها جهنمية بالنسبة إليه.. وهز رأسه موافقاً. _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة الخميس يونيو 12, 2008 9:13 am | |
| المشهد الخامس الزمان: نفس الزمان المكان: مؤسسة مناع للحديد والصلب
رجلٌ جالسٌ في مكتب صغير في غرفة تشبه الممر يقترب منه رجلا آخر ويجلس على الكرسي الذي أمامه ويقول له هامسًا: - لقد نجح حمزة في مهمته.. يرفع الرجل الأول رأسه مركزًا عينيه في وجه محدثه قائلاً بذهول: - أحقا؟ يضع الرجل الثاني رجله فوق الأخرى ويسند ظهره على الكرسي ويقول: - أجل وسيحتفل معنا في يخت في عرض البحر على عشاء فاخر قال الآخر وقد سال لعابه: - هذا الحمزة رائع لا ينسى أصحابه.. قال الأخر مناكفًا: - ومن قال أنك من أصحابه؟ - نعم؟؟ أنا صاحبه قبلك يا كمال - لو كنت صاحبه كما تقول لدعاك بنفسه - وقد جئت أدعوه بنفسي التفتا لصاحب الصوت القادم من داخل غرفة قريبة من المكتب فقال الأول بعد أن نفخ صدره بالهواء: - أسمعت ما قاله كمال يا حمزة؟ رد حمزة بمرح وهو يقترب منهما: - سمعت ولذا جئت لأنصفك من هذا الظالم.. وقف ومد يده مصافحا حمزة ثم قال: - هكذا الأصدقاء وإلا فلا.. (شد على يده بقوة ثم قال) : ألف مبروك يا عزيزي - أشكرك يا فهمي.. قال كمال: - يعني أنا طلعت ظالم هه! ضحك حمزة وقال: حتى تتوقف عن مزاحك الثقيل.. (ثم التفتت لفهمي وقال وهو يغمز له بعينه) : - لا تنسى أن تحضر الحفل.. - أكيد سأكون أول الحاضرين كانت يده مازالت في يد حمزة فأفلتها بعد أن ربت عليها بيده الأخرى.. ثم لوح بها لحمزة الذي دلف خارجًا من المكان.
المشهد السادس الزمان: في يوم زيارة علاء وعمه بكر لبيت نجلاء المكان: بيت نجلاء
دخلت مريم على نجلاء التي كانت تدرس وهمست في أذنها قائلة: - هل تعلمين من الذي في غرفة الجلوس مع أبي؟ - من؟؟ - عريس.. انتفضت نجلاء واهتزت عضلة قلبها بقوة واستمعت لمريم التي تابعت قائلة بلهجة مشحونة بالإحباط: - اعتقدت أنني سأتزوج قبلك.. لكن يبدو أنك ستتزوجين قبلي.. - ومن قال لك أني أريد أن أتزوج؟ - يعني لا تريدينه؟ - طبعًا لا.. - لو كان وسيمًا أكثر ولو لم يكن بدينًا.. لأخذته أنا.. - ومن هو؟ - هل تذكرين علاء؟ ردت نجلاء ببلاهة وهي لا تستوعب ما يجري: - من علاء؟ ضربت مريم كفيها ببعضهما وقالت: - هل تذكرين البيت الذي احترق عندما كنا صغار.. ومات الأب وابنه وزوجة ابنه في الحريق؟ هزت نجلاء رأسها وهي غير مصدقة وهي تستمع لمريم التي قامت بسرد قصة تحفظها نجلاء عن ظهر قلب.. شعرت بالدوار وسقط الكتاب من يدها.. إلا أن مريم لم تنتبه لما انتاب أختها من أعراض وختمت كلامها قائلة: - لا تخبري أمي بأني أخبرتك.. وإلا فإنها لن تأمني على سر مرة أخرى..
ثم تركتها وغادرت الغرفة لتتابع بقية الحدث من الخارج.. تاركة إياها في حالة ذهول شديد.. وقد زاد شعورها بالدوار.. ورددت بحزن: لماذا يا علاء لماذا؟؟
وبعد أن غادر علاء وعمه.. اختلى كريم بزوجته في دارهما ليناقشا الحدث الجديد الذي أسعد إقبال كثيرًا.. بينما لم يكن لدى كريم الشعور ذاته وقال معبرًا عن رأيه: - هل تريديني أن أزوج ابنتي لعامل في محل تجاري إذا وجد لقمة أول الشهر لم يجد لقمة آخر الشهر؟ هل تظنين أن نجلاء رخيصة عندي؟ - أغلب الشباب مثله هذه الأيام حتى خريجي الجامعات يعملون في المحلات وورش السيارات.. - أنت لم تسمعي ماذا قال عمه عنه.. لم أكن أعرف أنه طيب هكذا.. لقد شرح لي حالة ابن أخيه بالتفصيل.. - وهو ماذا قال؟ - العريس؟ - نعم.. - كان يجلس كالأبله.. ماذا عساه أن يقول يعني؟ ليس لديه حتى قيمة المهر ويفكر في الزواج.. شباب آخر زمن! - لا تأخذ الأمر بحساسية يا عزيزي.. إنها فرصة يا كريم ليهدأ البيت من مشاكل نجلاء معي ومع أخواتها.. نظر إليها بغضب وصرخ قائلاً: - هل صارت ابنتي همًا تريدين التخلص منه يا إقبال؟
أحست أنها استفزت زوجها بكلامها فقالت لتصلح خطأها: - لم أقصد.. بل قصدت أن نفرح بها.. إنها مثل ابنتي كما تعلم وكم يسعدني أن أراها عروس، وأري أولادها.. هز رأسه ببرود وهو يسخر في نفسه من طريقة تبريرها.. وقال وهو يأخذ نفسا عميقًا من سيجارته التي شارفت على الانتهاء: - أعلم، لكنها مازالت صغيرة على أن تفرحي بها، هي لم تحصل حتى على الشهادة الثانوية بعد.. - وماذا في ذلك؟ تتزوج وتدرس أين المشكلة؟ الكثير من الفتيات يفعلن ذلك.. - إنها صغيرة على هكذا مسؤوليات.. وسيكون تعبًا عليها أن تتحمل مسؤولية بيت ورجل وأولاد ودراسة.. عندما تكبر قليلا سأجعلك تفرحين بها وترقصين في عرسها أيضًا.. قال ذلك وهو يطفئ السيجارة في صحن كان أمامه.. فقالت وقد أغاظتها ردة فعله الباردة: - صغيرة؟ أطول مني وصغيرة! - وماذا لو جاء خاطبًا مريم؟ هل كنت ستوافقين؟ - لو كان هذا العريس لمريم كنت سأقول معك حق لأنها فعلا صغيرة وساذجة أما نجلاء فهي راشدة وعاقلة وتستطيع تحمل... قاطعها قائلا بسخط: - لأنها ساذجة!! أم لأنها ابنتك؟ - يا سلام عليك نجلاء ابنتي أيضا وأحب لها الخير وأتمنى أن أفرح بها.. - ستفرحين بها ولكن كل شيء له أوان.. وأوان زواجها لم يحن بعد.. فهمت؟ ثم نهض وغادر الغرفة هربًا من إلحاحها.. الذي كان متأكدًا أنه لن يرتاح منه أبدًا حتى ينفذ لها ما تريد.
المشهد السابع الزمان: وقت الاستراحة.. المكان: مدرسة البنات..
اجتمعت بنات شلة تسنيم المحبة في ساحة المدرسة وتحت شجرتهن المفضلة.. لم تكن نجلاء طبيعية.. ورفضت أن تأكل.. فساور ميار القلق بشأنها وسألتها: - ما بك نجلاء تبدين مهمومة؟ طالعتها نجلاء بنظرة حزن مشربة بالانكسار.. كررت تغريد على مسامعها نفس سؤال ميار.. وأضافت: - هل فعلت أنطوانيت شيئا جديدا؟ لا تلوموني إذا ارتكبت في تلك المرأة جريمة قتل. ضحكت ميار وقالت: - سأشاركك يا تغريد لو احتجت للمساعدة.. عندما ضحكت تغريد وميار على تلك الدعابة لم تشاركهما تغريد بل تنهدت بألم ولم تعقب.. فسألتها تغريد بقلق: - هيا نجلاء أقلقنا صمتك.. نظرت نجلاء إليهما وخرجت من بوتقة صمتها قائلة: - لن تفهماني لو أخبرتكما بمشاعري.. - أمعقول أن لا نفهمك ونحن صديقات وأخوات؟ - هيا قولي.. - علاء.. - ما به علاء؟ هل أصابه مكروه لا سمح الله؟ - لا.. - إذا ماذا؟ - قابل أبي وخطبني.. قفزت تغريد من مكانها وراحت تدور حول نجلاء في جذل أما ميار فأخذت تصفق ثم وضعت يديها على كتفي نجلاء وقالت لها وقلبها يرقص فرحا: - مليون مبروك يا حبيبتي ردت نجلاء وهي تلمس الفرح في ردة فعليهما: - أسعدكما الخبر لهذه الدرجة؟؟ ردت ميار بسرعة: - طبعًا.. فنحن مذ ماتت سارة لم نفرح.. قالت تغريد والابتسامة ترتسم على شفتيها: - لولا أننا في المدرسة لكنت رقصت من الفرح.. إلا أن تتلك الابتسامة سرعان ما تبددت عندما لمحت الحزن يرتسم على وجه نجلاء.. وسألتها بلهجة تعجب: - ألم تفرحي أنت؟ تنهدت نجلاء وقد بدا عليها الهم فقالت ميار: - ألم يوافق أباك؟ - أخاف أن أنطوانيت هي التي اعترضت! - لا شأن لأبي ولا أنطوانيت بالأمر - إذًا ماذا؟ - أنا لا أريد.. تملكت ميار وتغريد الدهشة وصرختا بصوت واحد: - لماذا؟ تهربت نجلاء من الإجابة بأن قالت: - ألم أقل لكما أنكما لن تفهماني.. - وضحي لنا كي نفهم..
في تلك اللحظة دق جرس معلنًا انتهاء فترة الاستراحة فكانت نجلاء أول من نهض من بنات الشلة متوجة نحو فصلها.. بينما أخذت صديقتيها تتمشيان على مهلهما.. قالت تغريد: - أسمعت ما سمعت؟ - أيعقل أن لا تفرح عندما خطبها علاء الذي تذوب فيه حبًا؟ - ربما هي لا تحبه.. - كيف لا تحبه؟ أنت لم تري كيف تترقب رؤيته عندما نخرج من المدرسة.. ولم تري الفرحة التي تشرق في وجهها حين تراه ينتظرها عند ناصية الشارع.. ألم تلاحظي ملامحها عندما تتكلم عنه؟ - أعرف أنها تحبه لكني مستغربة من ردة فعلها.. ولذلك قلت أنها لا تحبه لدرجة أنها تتمنى أن تتزوجه.. - إذًا لماذا هي مكتئبة؟ - تعتقدين أن انفصال والديها هو الذي جعلها تصاب بالخوف من الفشل.. وجعلها تتعقد من الزواج؟ - لا أعتقد أن هناك من ستفكر هكذا لو خطبها من تحب.. بالعكس بل ستحلم بغد مشرق وحياة ناجحة معه.. نظرت إلى الأفق وكأنها تتخيل شيئًا ما.. وتابعت قائلة: - لو أحببت شخصًُا.. فإني سأحلم بالزواج منه.. وسأتمنى قربه إلى الأبد.. وسأسعى لإسعاده.. نظرت إليها ميار بتعجب.. لكنها غرقت أكثر في حلمها قائلة: - سأعيش معه في ود ومحبة ولن أغضبه أبدًا.. وسأنجب له الكثير من الأولاد.. - معقول يا تغريد؟ أنت تحلمين هكذا؟ تنهدت وكأنها تستطعم تلك الحياة التي تحلم بها: - لما لا أحلم؟ أنا فتاة مثل كل الفتيات اللاتي يحلمن بفارس الأحلام الوسيم الطيب الشهم الذي يأتي على فرس أبيض ويحلق بي بعيدًا.. قالت ميار وهي تتحدث بلهجة أكثر جدية من صاحبتها: - نجلاء حتى لو لم تفكر في أنها تتزوج الرجل الذي تحبه.. فهي من المفروض أن ترى في الزواج فرصة لتهرب من ظلم أنطوانيت وأولادها.. - حقًا معك حق.. - لكنها صغيرة.. وربما تتمنى أن تكمل دراستها بدل أن تغرق في بحر المسؤولية.. أليس كذلك؟ - ربما..
عند ذلك انتهى نقاشهما في موضوع نجلاء.. ودخلتا إلى الفصل.. فقد بدأت الحصة.
المشهد الثامن الزمان: بعد زفاف بنت زافي بعدة أيام.. المكان: مكتب زافي أسعد
كرامة تجلس مع زافي في مكتبه لأنه قد طلبها ليستكمل التحقيق بنفسه بعد أن تركه لفترة بين يدي بليغ.. قالت له كرامة قبل إن يبدأ أي حديث بخصوص القضية: - طمئني كيف كان حفل الزفاف؟ - لا أعرف كيف أصف لك سعادتي يا سيدة كرامة بصراحة كانت وداد أجمل عروس رأتها عيناي كل شيء كان رائعًا ليتك حضرت الحفل كان مكانك كان خاليًا.. - لا بأس، أنت تعرف الظروف ما زالت نفسيتي متعبة بسبب وفاة ابنتي.. ولا استطيع حضور أعراس.. هز رأسه متفهمًا إلا أنه قال مجاملة لها: - كان حفلاً جميلاً وأجمل ما فيه ثوب العروس.. ابتسمت وقالت تبادله المجاملة: - أكيد العروس هي التي حلت الفستان.. ضحك زافي وقد أفحمته جملتها ثم قال: - أخبرتني وداد أنك رفضت أن تخبريها عن سعر الفستان (ثم تابع بلهجة جادة) : لكنك ستخبرينني أنا.. - ألم تخبرك أني قلت لها أيضا أنه هدية عرسها؟ - هذا كثيرًا جدًا يا سيدة كرامة - ليس كثيرًا على وداد لقد أحببتها فهي اسم على مسمى.. - هذا من لطفك سيدتي.. - إنها تشبهك في دماثة خلقك.. ضحك زافي وقال مازحا: - الحمد لله أنها لا تشبهني في شيء آخر..
ساد الصمت بعد أن تلاشى صوت قهقهة زافي وشُحن المكان بالهدوء.. حتى طرق الباب طرقات عنيفة بعض الشيء بددت سكون ورومانسية المكان فقال زافي وبصره موجه نحو الباب: - تفضل يا بليغ (نظر إلى كرامة وقال مازحا) : رجلٌ شديد في كل شيء حتى عندما يستأذن في الدخول على رئيسه.. تقدم بليغ نحو الداخل وتراجع خطوة للوراء حين وقع بصره على كرامة بثوبها الأسود الأنيق رغم بساطة تصميمه والذي زاد بلونه الكاحل بشرتها تألقًا وبياضًا.. كانت تبدو وكأنها فتاة في العشرين من عمرها خاصة وأنها قد خسرت بضع كيلوات من وزنها.. فابتسم بخبث وقد راودته فكرة خبيثة كابتسامته وحدث نفسه قائلاً: كيف لا يتحمس لقضية امرأة تملك كل هذه الأنوثة والجمال! قطع سيل أفكاره زافي وهو يقول بلهجة جادة: - ما ذا عندك يا بليغ؟ تذكر ما جاء من أجله إلا أنه لم يحبذ الكلام في وجود كرامة فأشار لزافي أنه سيخبره فيما بعد وغادر المكان.
سنعود بعد قليل _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة الخميس يونيو 12, 2008 9:14 am | |
| كل يوم جمعة ان شاء الله سانزل جزء جديد ليكون التنزيل منظم
^_^ _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
همم تناطح السحاب مشرفة منتدى الضحك والفرفشة


 سجّل في : 13 أبريل 2008 عدد المساهمات : 318 المزاج : فل اوبشن رقم العضوية : 37
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة السبت يونيو 14, 2008 3:58 pm | |
| واااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااو
القصه رووووووووووووووووعه روووووووووووووعه
يالله ياعهد ننتظرك
لاتحرقين اعصااابي والا ترى بحرق شعرك << ههههههههههااااااي أمزح معك
تسلمين عالقصه الروعه ياقلبي _________________

 |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة السبت يونيو 14, 2008 5:50 pm | |
| الله يسلمج ياعمري
ولايهمج...
انزل لج حلقه يوم الجمعه ان شاء الله
^_^ _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة السبت يونيو 14, 2008 5:54 pm | |
|
الحلقة التاسعة عدنـــــــــا
كنا قد علمنا أن آخر تطورات القضية هي إيداع روزالي في الزنزانة لأنها المتهم الأول في قضية قتل سارة رغم أن كونها المذنبة لم يؤكد بعد.. وذلك بعد رفض كرامة إبقائها في بيتها لأنها كرهت أن تعيش معها تحت سقف واحد وهي تشك في أنها قاتلة ابنتها.
المشهد الأول:
المشهد الأول في هذه الحلقة هو نفس المشهد الذي انتهت عليه الحلقة السابقة حيث كان زافي يحدث كرامة عن حفل زفاف ابنته وداد، وإثناء ذلك دخل عليهما بليغ وقطع حديثهما الودي ذاك، ورغم أنه كان لديه ما يقوله لزافي إلا أنه غيّر رأيه عند رؤيته لكرامة وخرج.
أغلق خلفه الباب وباله مشغول بالكثير من الأفكار التقى بعصام في الممر فاستوقفه بأن أمسك يده وقال له هامسًا: - انتظر إلى أين أنت ذاهب؟ - سأذهب لمكتب العقيد.. - قصدك مخدع العشاق؟ رد عصام ببراءة: - أي عشاق؟ - رئيسك وكرامة سنبل..
تفاجأ عصام بكلمات بليغ وتجمد مكانه ويد بليغ مازالت تقبض على ساعده بقوة وسأل ببلاهة وهو لا يستوعب ما سمع: - أنت ماذا تقول؟ - إنهما يعيشان قصة حب جميلة دخلت عليهما منذ قليل فتضايقا من وجودي.. لا تفعل مثلي وتنغص عليهما.. وتفسد الجو الرومانسي.. - لكني أريده في أمر مهم.. سرح بليغ يده وقال: - أنت حر.. لكن عليك تحمل مسؤولية تصرفك.. ثم ابتعد وصوت ضحكاته يضج في المكان تاركًا عصام مذهولاً من كلماته الجريئة، تقدم نحو مكتب زافي وطرق الباب طرقات مترددة ناعمة.. فجاءه صوت زافي الجهوري وهو يقول: - تفضل يا عصام.. حدث عصام نفسه قائلاً: أكان يتوقع حضوري؟ أم كيف عرف أني قادم؟ فتح الباب ببطء وتقدم بخطوات ثقيلة فوجد زافي جالسًا على مكتبه وكرامة في الكرسي المقابل له.. حدثه زافي قائلاً: - سبحان الله تمنيت حضورك فرأيتك أمامي.. تعال يا عصام.. أشار له بالجلوس على كرسي قريب منه.. ثم قال محدثًا كرامة: - عصام.. من أذكى الجنود الذين تحت إمرتي.. (نظر إلى عصام الذي استوى على الكرسي وتابع قائلاً) : لا تخيب ظني يا عصام.. فأنا أمدحك أمام أم سارة لتكتشف قاتل ابنتها..
ابتسم عصام لإطراء زافي وقال بتواضع مشرب بالخجل: - ليس لدرجة أن أكتشف قاتلاً أيها العقيد.. ربت زافي على يده وقال: - كن متفائلاً وثق بقدراتك.. هز عصام رأسه, فابتسم زافي وتنهد بعمق وشبك بين أصابعه وقال وهو ينظر للزهور الصغيرة البيضاء التي تزين فستان كرامة الأسود: - ندخل في الجد سيدتي؟ هزت كرامة رأسها وأبدت الاستعداد فسألها: - عندما قمنا بتفتيش شقتك وجدنا مجموعة من الأدوية، هل عندك فكرة عن مصدرها؟ - أنا أحيانًا.. أشتري بعض المسكنات وأدوية الرشح والكحة. - ولماذا؟ - أنا أكره الذهاب للمستشفيات.. ولذلك أشتريها لوقت الحاجة.. - هل تشترينها شراء عشوائيًا.. أم شراء دوري؟ - لم أفهم ماذا تعني.. - أقصد.. متى تقومين بشراء الدواء؟ عندما تنتهي الكمية أم أنك تشتري بصفة عشوائية بغض النظر عن وجوده في البيت أم لا! - ليس عندي وقت لأتفقد الأدوية فرغت أم لا.. - يعني تعبئة عشوائية!! - تستطيع أن تقول ذلك.. - ألا تنتهي صلاحيتها قبل أن تستهلك؟ - بلى.. يحدث ذلك كثيرًا.. لكن ذلك أفضل من أحتاج شيئًا ولا أجده.. فأنا كثيرًا ما أصاب بالصداع والرشح لا يفارقني إلا أيام قليلة من السنة.. - خلال كم يتم استهلاك تلك الأدوية؟ - شهرين, ثلاثة أشهر أكثر أقل.. أحيانًا تنتهي صلاحيتها وتقوم الخادمة بإتلافها.. - متى آخر مرة اشتريت أدوية جديدة؟ - قبل عشرة أيام من وفاة سارة تقريبًا..
تفاجأ زافي لكنه حاول إخفاء دهشته حتى لا تلحظها كرامة.. لكنه لفت انتباه عصام بحركة افتعلها فهز عصام رأسه معبرًا عن فهمه فتابع زافي يسألها: - خلال العشرة أيام.. ألم تستهلك تلك الأدوية؟ - لا أعتقد.. - متى آخر مرة تناولت دواء منها؟ - لا أذكر أني استخدمت منها شيئًا.. فقد وضعت علبة مسكن في حقيبتي.. ولم أحتاج غيرها طوال تلك الفترة.. صمت ليفكر قليلاً.. ثم أخرج علبة دواء من أحد أدراج مكتبه وقال: - هل تعرفين لماذا تستخدم علبة الدواء هذه؟ تأملتها وهي بين يديه وقالت بلهجة حائرة: - لا أدري بالضبط، أعتقد أنها علبة مضاد حيوي.. - هل أنت من اشتراها؟ - ربما.. لا أذكر.. - هل كانت سارة تأخذ من هذه الأدوية؟ فكرت قليلا ثم قالت: - أحيانًا.. - هل كانت متعودة على استخدام الأدوية؟ - أكيد عندما تحتاج تفعل.. - هل كانت تفرط في استخدامها؟ - لا أعتقد.. - ألم يحصل واشتريت دواء للقلب؟ ردت بسخرية: - ولماذا أشتريه؟ - وماذا عن سارة؟ هل تشتري أدوية؟ - هي تذهب للصيدلية مع السائق أحيانًا لكني لا أعرف ماذا تشتري بالضبط فأنا لا أذهب معها.. - يعني من الممكن أن تشتري أي شيء دون مراقبة!! انفعلت كرامة وقالت بنبرة عالية قليلا: - تأكد يا سيد زافي أن ابنتي عاقلة ولا تشتري أشياء ضارة أو غير مفيدة..
أثارت أسئلة زافي استفزازها لكنها حاولت الحفاظ على هدوؤها احترامًا له وتقديرًا للطفه معها.. فقد كرهت التلميحات التي تشير إلى أن سارة ماتت منتحرة.. فكانت تجيب على أسئلته بإجابات مبهمة مختصرة رغم أنها لم تكن تقصد ذلك.. بينما اكتفى زافي بما سألها إياه من أسئلة فقد فهم بدون أن يسأل المزيد أنه لن يحصل على المعلومات الدقيقة التي يريدها، من أم لا تعرف عن ابنتها أكثر مما يعرفه الجيران.. فغيّر مسار أسئلته وسألها قائلاً: - هل السائق يسكن بعيدًا عن البيت؟ - ليس ببعيد، بين سكنه وشقتنا خمس دقائق سيرًا على الأقدام.. - جيد، هل أستطيع أن أراه؟ - سأطلب منه أن يأتي لمقابلتك.. - أكون شاكرًا سيدتي.. تستطيعين أن تتفضلي الآن. قال تلك الجملة ثم طالعها بنظرة فهمت منها أن الاستجواب قد انتهى, وفي اللحظة التي همت فيها بالخروج, رن هاتفها النقال ودون أن ترد عرفت المتصل فاستأذنت وخرجت بتثاقل وهاتفها مازال يرن بنفس الرنة فردت هامسة: - نعم يا عزة.. أنا في قسم الشرطة ماذا عندك؟ - توقعت منك ذلك! - توقعت ماذا؟ - أن تنسي موعد الطبيبة - أوه، لقد نسيته فعلاً.. - هيا تعالي في ظرف عشر دقائق أريدك أن تكوني هنا..
أقفلت الخط وبسرعة توجهت بسيارتها حيث كانت عزة تنتظرها.. ثم توجهتا معًا إلى العيادة.. وجلستا في غرفة الانتظار.. كان على الكرسي المواجه لكرامة رجل ينظر إليها بنظرة عميقة جعلتها تشعر بالانزعاج لدرجة أنها غيرت مكانها حتى تتهرب من نظراته التي أقل ما يقال عنها أنها وقحة، لم تكن تلك النظرات شيء جديدًا عليها فأغلب الناس الذين كانت أعينهم تقع عليها ينظرون لها بنفس النظرة.. خاصة الرجال منهم.. كانت نظرات مشحونة بالانبهار بجمال ملامحها وقدها الرشيق وشعرها الأشقر الناعم أو نظرات الطمع فيها كأنثى والتي يتبعها بعضهم بكلمات الإعجاب والغزل.. لم تكن تلك النظرات المعجبة والكلمات الغزلية تسعدها ولا تثير داخلها الاغتباط والغرور.. بل على العكس, لكم أثارت في نفسها الحزن والألم.. لأن الشخص الذي تتمنى أن ينظر لها هذه النظرة ويقول لها تلك الكلمات لم يكن يفعل!!.. ولكم استسلمت لكونها مهملة في حياته.. بل وأقلمت نفسها على ذلك حتى وصلت لمرحلة التبلد والفتور.. وانخرطت في حياتها العملية لتعوض عطشها العاطفي في العمل والشهرة والأضواء.. حتى نسيت شيء اسمه عاطفة.. وغدت تعتبرها ضعفًا.. وشيئًا بلا أهمية!
بعد أكثر من ساعتين خرجتا معًا من العيادة ونزلتا في مقهى تنيره أضواء صفراء خافتة وبعض الشموع.. لكن هدوء ورومانسية المكان لم تغير شيئًا من نفسية كرامة التي كانت تشعر بالاستياء والضيق.. فقالت بضجر معبرة عن ما يحتويها من سلبية: - ننتظر ساعتين لنرى الطبيبة خمس دقائق! ردت عزة وهي ترشف بعض القهوة من كوبها: - فعلاً، العيادة مزدحمة بالمراجعين والانتظار مزعج.. (سكتت قليلاً ثم قالت بمرح) : يبدو أن كل الناس يرغبون بإنجاب الأولاد.. - أف، هل سأذهب هناك مرة أخرى وأضيع وقتي؟ إذا كان الوضع هكذا فأني لن أذهب إليهم مرة أخرى..
ضحكت عزة لدرجة أن أكتافها اهتزت من شدة الضحك فأثار ذلك ضيق كرامة التي صرخت فيها قائلة: - اضحكي ما الذي يهمك؟ قالت عزة وهي ما تزال تضحك: - ما رأيك أن يذهبوا هم إلى بيتك؟ - يكون أفضل! - سأقترح عليهم ذلك..
تنهدت كرامة ووضعت يدها على خدها وهي تحرك الملعقة الصغيرة داخل كوب الشاي بيدها الأخرى.. فقالت لها عزة بعد أن انتهت من نوبة الضحك واستعادت جديتها: - إذا لم تذهبي لن يترجوك لتفعلي.. أنت ستخسرين.. أما هم فلديهم الكثير من الزبائن المستعدين للصبر وتلقي العلاج.. - أنا أكره المستشفيات.. - ومن يحبها؟ لولا أننا مضطرين ما كنا ذهبنا إليها أبدًا..
هزت كرامة رأسها وهي تشعر أن كلمة (الاضطرار) وصفت حالها.. فارتسم الحزن على ملامح وجهها الأبيض وقالت بدون مقدمات وكأنها تكمل حديثًا يدور بخلدها: - فتحي دائمًا يلومني يا عزة ويقول أني سبب موت سارة, أيعقل أن أتسبب في موت ابنتي الوحيدة؟؟ - كيف تكونين أنت السبب؟ - إنه مقتنع أنها ماتت منتحرة ولذلك يلقي اللوم علي ويقول أني لم أهتم بها ولذلك انتحرت.. (سكتت قليلا ثم قالت) : كل هذا ليشعرني بتأنيب الضمير..
حدثت عزة نفسها قائلة: كل هذا ولم تشعري بتأنيب الضمير؟ هذه مصيبة! تابعت كرامة قائلة بسخط: - يتكلم وكأنه هو كان يهتم بها ويرعاها! قالت عزة بأسى: - كم كانت تلك الطفلة ضائعة بينكما.. - أنت تؤيدين كلامه؟ هل يمكن لبنت أن تنتحر لمجرد أنها تريد أحد يحبها؟ - الحب والاهتمام والحنان مهمون يا كرامة.. لأنهم يشعرون الإنسان بالأمان ويجعلونه يحب الحياة.. ويدفعونه للنجاح والتفوق.
ردت كرامة باستخفاف: - عشنا بدونهم ونجحنا.. - لكن طول عمرنا ونحن نشعر أنه ينقصنا شيء مهم ولذلك نشأنا هشين من الداخل.. نبدي شخصية قوية أمام الناس بينما نحن نفوسنا ضعيفة.. ونشعر بالنقص أمام الآخرين! - تكلمي عن نفسك.. فأنا لا أشعر بالنقص أمام أحد.. - الحب حاجة من الاحتياجات الإنسانية وكلنا بحاجة إليه.. ولا داعي لأن تستثني نفسك.. - الحب شيء كمالي.. لكن المال والشهرة والنفوذ.. هي البناء الحقيقي للإنسان.. وما الحب إلا وهم في قلوب الهاربين من الواقع.. - أعتقد أن سارة حالمة، ورومانسية تبحث عن الحب والاهتمام.. وربما اليأس من اهتمامكما جعلها تفني حياتها.. تلك المسكينة.. طالعتها كرامة بنظرة حادة وقالت: - يعني أنت مقتنعة بكلام فتحي؟ هل ممكن لسارة أن تنتحر لمجرد أني انشغلت عنها قليلاً؟.. سارة أعقل من أن تفكر بهذه الطريقة.. نظرت إليها عزة بنظرة عتاب وقالت: - لقد أبعدتني عن البنت.. كبرت بعيدًا عن عيني.. فكيف لي أن أعرف كيف كانت تفكر! - أنت السبب.. أنت سبب البعد والخلاف الذي صار بيننا أنت التي ضيعت ثروة والدنا في التفاهات.. ووزعتها على من لا يستحق ونحن في أمس الحاجة إليها.. لم ترد عزة رغم أنها كانت تغلي من الداخل.. واكتفت أن تقول: لا داعي لنبش الماضي فما فات قد مات.. ونحن أولاد اليوم.
طالعتها كرامة وهي ترفع كوب الشاي إلى فمها وتحدث نفسها قائلة: هذا لأنك تعرفين أنك مخطئة تقولين أننا أولاد اليوم.. جيد أنك عرفت ذلك..
بينما كان بداخل عزة حوار آخر متناقض تمامًا مع حوار أختها فكانت تحدث نفسها قائلة: ما أشد حبك لاتهام الآخرين.. أكانوا لا يستحقون في نظرك؟؟ لما لا وأنت أكبر أنانية في الكون؟ لولا أنهم أناس طيبون ما كانوا سامحوك أبدًا. طالعت كرامة ساعتها وقالت: - هيا بنا تأخرت عن المشغل. - حسنًا, هيا بنا..
وما هي إلا بضع دقائق حتى غادرتا المكان.. ومضت كل منهما إلى وجهتها المختلفة التي لم تتفق حتى بعد أن تصالحتا بعد خلاف استمر لسنوات طويلة.. فالقلوب لم تصفى بعد, والمياه لم تعد إلى مجاريها.
المشهد الثاني:
الزمان: مساء نفس اليوم المكان: بيت علاء
علاء متسمر على الأريكة أمام التلفاز الذي كان يضج بصوت أغنية كلماتها عن الفراق وخيبات الأمل في الحب.. ناريمان جالسة بجواره تتصفح مجلة أزياء وتأكل أصابع من البسكويت.. قالت وهي تغلق المجلة: - جميلة الفساتين.. أليس كذلك؟ تنهد بألم وقال باستسلام: - كذلك.. - مازلت تفكر في عمك؟ - لا أجد لتصرفه مبررًا.. - لا تلمه ولم نفسك.. - كل ما فعله بي وأنا الملام في نظرك يا آنسة ناريمان؟ - طبعًا لأنك وبعد كل ما فعله هو وزوجته بنا من قبل.. تثق به ثانية وتمسكه رقبتك.. وكأنك لا تعرفه!! - صفيت النية ووثقت به.. وصدقته.. - صفيت النية!! أم جاء على هواك!! تجاهل تلميحاتها وقال: - أتمنى أن أعرف ما هو هدفه مما فعل.. لماذا فعل كل هذا؟ - أراد أن يحرجك أمام أبو أمجد ويوصلك لما أنت فيه الآن.. - وما أدراه أصلاً أني أرغب في الزواج من ابنة أبو أمجد حتى يحيك خطة ليحرجني أمامه؟؟ - أراد أن يهينك.. بغض النظر أمام من!!
رن جرس الهاتف.. فقال لها علاء: ردي أنت.. أنا لا أريد أن أكلم أحدًا.. رفعت السماعة قائلة: - نعم! - السلام عليكم.. - وعليكم السلام.. - ممكن أكلم علاء لو سمحت؟ - لحظة..
طالعت علاء وهي تضع يدها على السماعة حتى لا يسمع المتصل الحوار الذي يدور بينها وبين أخيها ثم قالت: - إنه لك.. - من؟؟ إذا كان عمي بكر أنا غير موجود.. - عمك بكر سيتصل عليك منذ متى هذا الحب؟ - كلمني على النقال لكني لم أرد عليه.. - حسنًا, هذا ليس عمك.. - قولي أني غير موجود.. - علاء, أنا لن أكذب.. - تصرفي..
رفعت يدها من على السماعة وقالت: - هو مشغول الآن..من يتكلم؟
أجابها المتصل بعد أن ابتسم ابتسامة عذبة لأنه يعرف تأثير اسمه على صاحبه: - قولي له عبد العزيز..
وفعلاً لم يخب ظنه فما أن عرف علاء أنه هو المتصل حتى انتهب ناريمان السماعة وصرخ قائلاً: - ماذا يا عبد العزيز أتصل عليك ولا ترد! ضحك عبد العزيز وقال: - أتدلل عليك.. - أهذا وقت دلال؟ أنا أحتاج إليك.. - حسنًا.. أنا في المقهى.. تعال.. وبسرعة لبس علاء ملابسه وخرج متوجهًا نحو المقهى.. حيث التقى عبد العزيز هناك.. صافحه بحرارة.. وجلس معه في ركن قصي يحتسيان الشاي.. قال عبد العزيز معاتبًا: - هل لي أن أعرف سبب غيباك عن المركز؟ - أشعر بالإحباط والقهر.. والحزن وخيبة الأمل... أكمل من عندك وقل ما تشاء.. - كل هذا بسبب موقف عمك؟ - لم أتوقع من عمي أن يقول هذا الكلام.. لقد أهانني وأحرجني أمام والد البنت.. عراني ولم يبقى إلا أن يقول صراحة أنني لا أصلح للزواج! - وأنت لماذا لم تدافع عن نفسك؟ تنهد علاء وقال: - لقد ذهلت بما قال وشعرت أني كالأخرس.. ثم ماذا تريديني أن أقول؟ أكذب كلامه وهو لم يقل غير الحقيقة؟ - كنت قلت له إنك تدرس وأنك ستصبح مهندسًا.. وستؤمن لابنته مستقبلها إن شاء الله.. - آها.. متى سأتخرج ومتى سأصبح مهندسًا ومتى سأشتغل وأجمع المال؟؟.. أتريدني أن أتكلم عن سمك في ماء؟؟
هز عبد العزيز رأسه وقال ونبرة العتاب ما زالت في صوته: - لماذا يئست بسرعة هكذا؟ ألم تكن متفائلا ألم ترى الرسائل الربانية التي أرسلها الله لك؟ ألم يدهشك عرض عمك عليك؟ - بلى.. - من أرسله ومن لين قلبه؟ أليس الذي فعل كل ذلك بقادر على أن يدبر الأمر ويسهل العسير؟ أم أنك تخاذلت عند أول اختبار يختبرك إياه؟ وجزعت عند أول عقبة تقف في طريقك؟ أم أنك تريد أن يأتيك كل ما تريد على طبق من ذهب بدون أن تفعل شيئا؟ سكت علاء أمام عتاب عبد العزيز كطفل صغير وتمتم قائلا: - لم أقصد!!
ابتسم عبد العزيز بعذوبة كعادته.. وعاد إليه هدوءه سريعًا وقال: - إن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نسعى ونعمل.. فالسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة يا صديقي.. - وماذا أفعل يعني؟ - كن واثقًا من نفسك وقدراتك.. اقتنع بها ليقتنع بها الآخرين.. بين لكريم أنك قادر على تحمل مسؤولية ابنته.. وأهل لها, استمر على نفس الوصفة التي سبق وأعطيتك إياها بدون تخاذل أو يأس وادع ربك الفتاح أن يفتح عليك ويجبر بخاطرك ويرد كيد أعدائك.. (ثم أخرج ورقة من جيبه وتابع قائلاً) : وأضف إليها هذه..
استلم علاء منه الورقة ووضعها في جيبه دون أن يفتحها.. ثم غادر كلاً منهما المقهى الذي كان يضج بالناس. _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة السبت يونيو 14, 2008 5:55 pm | |
| المشهد الثالث
الزمان: نفس الزمان المكان: بيت سارة
دخلت كرامة على فتحي الذي كان في المطبخ يغلي بعض الماء.. صرخ في وجهها حين وقع بصره عليها: -إلى متى سيستمر هذا الحال؟ إلى متى ستضل أعمال البيت كلها معلقة؟ وكل شيء قذر؟ ولا أحد يصنع لي حتى كوبًا من الشاي؟
سحبت كرسي المطبخ وجلست وقالت بدون اكترث وهي تقضم تفاحة: - كل هذا لأنك أتعبت نفسك وضغطت على زر السخان لتصنع لنفسك كوب شاي؟؟ - ملابسي يا مدام.. من يغسلها ويكويها؟ ماذا ألبس غدًا حين أذهب للمؤسسة؟ بل ماذا ألبس بعد قليل في عشاء العمل؟
ردت ببرود: - اذهب وافتح دولابك ستجد كل ملابسك التي كانت متسخة, نظيفة ومكوية وغرفتك نظيفة.. ومكتبك الذي بعثرت فيه الأوراق بالأمس نظيف ومرتب.. (طالعته بعمق وقالت) : هل يوجد شيء آخر يضايقك يا سيد فتحي؟ - من فعل كل هذا.. أنت؟ - ليس مهم من.. المهم أن كل شيء صار كما تريد.. فلا تصرخ ولا تغضب..
صب الماء المغلي في الكوب وجلس إلى جانبها وطالعها وهي تقضم باقي التفاحة: - عندما كانت روز هنا.. لم يكن هناك داع لأن أصرخ وأغضب.. فقد كانت تقوم بكل شيء.. حتى بدون أن يطلب منها أحد ذلك.. - هي لم تكن ساحرة.. أنها مجرد خادمة تقوم بأعمال منزلية بسيطة.. وأي أحد يمكنه أن يحل محلها.. - لقد تعودنا عليها وصارت تعرف طبائعنا.. - لا بأس غيرها يمكنه يتعود عليك أيضًا.. - يعني لا تتنازلي عن القضية؟ - لو كانت القضية قضيتي لكنت تنازلت.. ولو أنها سرقت ثروتي.. لكنت سامحتها.. (رفعت صوتها وتابعت قائلة وهي تضرب الطاولة بيدها) :لكن أن تقتل ابنتي فهذا ما لن أتساهل فيه.. وستنال عقابها على فعلتها تلك إن شاء الله.. - إذا كانت هي المذنبة فهي تستحق.. أما إذا كان لا... ألقت باقي التفاحة في سلة المهملات.. وقالت وهي تغسل يدها: - على فكرة العقيد يريد أن يراك - ولماذا؟ - وما أدراني أنا.. (قالت وهي تخرج من باب المطبخ) : إذا ذهبت عنده غدًا خذ معك ناصر الدين فهو يريده أيضًا..
تفاجأت به يعترض طريقها ويقول لها: - ما رأيك أن نتعشى في الخارج الليلة؟ - وما المناسبة؟ - بدون مناسبة.. اشتهيت أن أسهر معك.. - ألم تقل أن لديك عشاء عمل الليلة؟ - سأؤجله..
أبعدته عن طريقها متوجهة نحو الدرج.. وقالت بعد أن تنهدت تنهيدة طويلة: - شكرًا أنا متعبة وأريد أن أنام.. قال بإصرار: - لن أتركك حتى توافقي.. هيا وافقي..
دعاها إلى مطعم فخم خافت الأضواء تصدح فيه نغمات موسيقى رومانسية هادئة وأجلسها عند زاوية تطل على الشاطئ، جلس كلاً منهما يتناول عشاءه في صمت وكأنه وحده، كان بداخل كلاً منهما مقدار لا بأس به من السخط والاستياء تجاه الكثير من الأشياء والأشخاص، قال فتحي قاطعًا الصمت الذي ساد على جلستهما تلك: - هل أعجبك الطعام؟ هزت رأسها إيجابًا دون أن تتوقف عن الأكل فقال هو: - إنه لذيذ، يذكرني بطبخ روز.. لا تعلم لماذا شعرت وكأنه نطق باسم غريمة لها.. فزاد شعورها بالضيق وأحست أن الطعام كسم يحرق معدتها فتوقفت عن الأكل خشية أن تتقيأ.. سألها حين لاحظ عزوفها عن استكمال عشائها: - أشبعت؟ - نعم، الحمد لله.. قال وهو ما زال يأكل ويستلذ بالطعام: - ماذا كان يريد منك العقيد؟ ردت بسخرية: - ماذا يريد يعني؟ أن أصنع له فستانًا!! - لا طبعًا.. أكيد استجوبك وسألك عن سارة.. - ما شاء الله على ذكائك.. تجاهل سخريتها وتابع يسألها من جديد: - أخبريني ماذا قال لك! - لماذا تريد أن تعرف؟ - لأنه أكيد سيسألني أيضًا.. - إذا سألك ستعرف!
تذكرت حوار زافي معها وشعرت بالغيظ وقالت بنبرة قريبة من الهمس: - يبدو أنه يريد إثبات انتحار سارة! ضربت الجملة الأخيرة طبلة أذنه بقوة فتوقف عن الطعام ليسألها: - هو قال ذلك؟ - لم يقل صراحة لكن بدا لي وكأنه كذلك.. أخفى شعوره بالرضا وتابع طعامه بعد أن قال: - كنت متأكدًا من براءة تلك المسكينة.. حملقت فيه والشرر يتناثر من عينيها وضربت بيدها الطاولة بقوة وصرخت قائلة بعصبية: - أريد أن أعرف لماذا جئت بي إلى هنا.. ابتسم ببرود وهو ينظر لأمواج البحر الهائجة وقال: - حتى تستمتعي بوقتك يا عزيزتي.. أثارها بروده, فقالت وقد ارتفع صوتها أكثر: - لأستمتع بوقتي أم لتحرق دمي بالكلام عن تلك الخادمة المجرمة؟ لم يرفع عينيه عن أمواج البحر.. لكنه احتضن يدها بيده.. وقال لها بلهجة هادئة: - انظري لأمواج البحر, حتى في هيجانها تبدو رائعة وجميلة.. (ثم نقل بصره إليها يتأمل خصلات شعرها الشقراء التي تلاعبت بها نسمات الهواء، وأطال النظر إلى عينيها السوداويين المتلألئتان بفعل انعكاس الأضواء الخافتة عليهما وتابع قائلاً ويدها ما تزال في يده) : مثلك تمامًا رائعة حتى في هيجانك..
لم تشعر بنفسها.. إلا وهي تضغط على يده التي تمسك يدها وتنظر إليه وقد ألجمتها كلماته.. شعرت بمشاعر لم تعرفها من قبل.. وبدت وكأنها طفل صغير يجلس بين أحضان أمه.. أحست بالراحة.. ونسيت الضيق الذي كان يملؤها قبل قليل.. ورنت بأذنيها كلمات عزة: ((الحب والاهتمام والحنان مهمون يا كرامة.. لأنهم يشعرون الإنسان بالأمان ويجعلونه يحب الحياة)).. اتسعت ابتسامته حين لمح تأثير كلماته عليها.. وهمس قائلاً: - ما رأيك أن نتمشى قليلاً عند البحر؟
ابتسمت هي الأخرى ورغم ما كان بداخلها من شك وريبة تجاه لطفه معها إلا أنها وافقته في طلبه.. وقاما معًا متوجهين نحو البحر.
المشهد الرابع
الزمان: نفس الزمان المكان: بيت نجلاء
كانت نجلاء منهمكة في كتابة واجباتها لم تكن حاضرة بكل فكرها لكنها كانت تحاول أن تستحضر ما تستطيعه من تركيز وتهرب من أفكار كثيرة تراودها وتحرمها ليس من مذاكرة دروسها فقط بل من لذة النوم أيضًا! أطلت إقبال برأسها عليها أخذت نفسا عميقًا قبل أن تتخذ قرار الولوج إلى الغرفة جلست قريبًا من نجلاء التي سرعان ما فهمت سبب وجودها فقالت لها قبل أن تبدأ بالحديث: - إذا كنت تريدين أن تحدثيني في موضوع الزواج فوفري جهودك.. أنا مشغولة وليس عندي وقت لسماع أي شيء..
لوت إقبال فمها بضجر وعضت شفتها السفلى بقوة أسنانها لكنها لم تتراجع عن قرارها فقالت: - ولم لا نتحدث في الموضوع؟ لكم وددت أن أفرح بك، وأرى أولادك.. فأنا تهمني مصلحتك مثلك مثل أولادي تمامًا..
لم تبدي نجلاء أي ردة فعل بل ضلت تكتب في دفترها وهي تغلي من الداخل لدرجة أنها كتبت بالخطأ وسط السطور معبرة عما بداخلها: اسكتي وكفى نفاقًا.. بينما تابعت إقبال كلامها قائلة: - تخيلي أنك ستزينين بأحلى ماكياج وستلبسين الفستان الأبيض والذهب وتجلسين في الكوشة ثم تزفين لعريسك ونفرح بك ونرقص في حفلة زفافك.. وتكونين أجمل عروس..
تجمدت عينا نجلاء على وجه إقبال حين سمعت منها تلك الجملة الأخيرة ورغم أنها لاحظت تلك النظرة الجامدة إلا أنها تابعت قائلة بحماسة: أعرف أنها لحظة تتمناها أي بنت.. وأكيد أنت أيضًا تتمنيها.. فلا تهتمي لاعتراض والدك على زواجك فأنا سأتولى مهمة اقناعه.. لا تقلقي..
لوت نجلاء فمها وقالت: - أشكرك يا زوجة أبي الحنون لست بحاجة إلى خدماتك.. فأنا رأيي من رأي أبي ولا أريد أن أتزوج.. وفري جهودك لزواج مريم.. - قبل مريم أريد أن أفرح بك.. - وأنا لا أريد أن أفرح بنفسي.. - أنا أريد مصلحتك.. يا نجلاء.. - مصلحتي أنا؟ أم مصلحتك أنت؟ أعرف أنك تريدين أن ترتاحي مني ويصفى لك الجو لكن ثقي أنني لن أبلغك مرادك..
صكت إقبال على أسنانها بغضب إلا أنها استمرت تتحايل بمكر: - لا تسمحي أن يخدعك الشيطان فأنا يهمني مستقبلك.. تجمدت الدموع في عيني نجلاء وهمست قائلة بسخرية: - أنت يهمك مستقبلي؟ - طبعا يهمني مستقبلك.. - شكرًا.. لكن مستقبلي يهمني أكثر منك, اهتمي بنفسك فقط..
لم تيأس إقبال وضلت تلح على نجلاء التي ضاقت ذرعًا بإلحاحها وصرخت في وجهها قائلة: - هلا أطلقت سراحي وتركتني أدرس؟
قالت إقبال وهي تغادر الغرفة وتصفع الباب خلفها بقوة: - أنت هكذا عنيدة ولا تقدرين من يريد مصلحتك.. لكن ثقي يا نجلاء.. وأقسم بالذي أعطاني أولادي أن ما أريده هو ما سيحدث..
خرجت إلى الصالة ورفعت إقبال سماعة الهاتف الذي رن عدة مرات دون أن يجاوبه أحد.. جاءها صوت المتصل قائلاً: - أين أنتم ضننت أنكم خرجتم كنت سأقفل الخط.. - كنت مع نجلاء - لماذا؟ ماذا بها؟ - لا شيء.. كنت أحاول إقناعها بموضوع الزواج.. - لو أنا منك ما كنت زوجتها .. دعيها حتى تساعدك في البيت.. - تساعدني!!.. هذا كان قديمًا يا عزيزتي أما الآن فهي متمردة وعنيدة ولا تسمع كلامي.. وتفتعل المشاكل على أقل شيء.. وتثير الفتنة بيني وبين والدها وبين أخوتها أيضًا.. - إذا كان الأمر كذلك.. يحق لك أن تبعديها وتتخلصي منها.. - ولن يطيب لي عيش في بيتٍ هي فيه.. وقد أقسمت على ذلك..
كان كريم جالسًا في غرفة الجلوس القريبة من الصالة، وقد وصله كل ما قيل في تلك المكالمة التي دارت بين زوجته وجارتها.. كانت بجواه ابنته الصغيرة نارا تلعب.. فهمس في أذنها قائلاً: نادي نجلاء وقولي لها أن تأتي إلى هنا بسرعة.. بعد أقل من خمس دقائق دخلت عليه نجلاء.. طلب منها أن تحكم غلق الباب وتجلس إلى جواره.. طالعته بنظرة حزينة وقبل أن يقول لها أي شيء.. قالت له بلهجة مشحونة بالرجاء: - أرجوك يا أبي أنا لا أريد أن أتزوج.. مد يده الخشنة ذات الكف العريض والأصابع القصيرة ووضعها على رأسها وهمس قائلاً بحنان: - لا تخافي يا ابنتي لن أزوجك إلا برضاك ولرجل يستحقك (تأمل ملامح وجهها وركز نظراته على عينيها الدامعتين وتابع قائلاً) : سأزوجك لمن يقدر أنك ألماسة جميلة ويبذل كل ما في وسعه من أجل أن يرضيك ويحميك ويسعدك يا عزيزتي..
فاجأتها كلماته التي ملئت نفسها بالأمان والدفء إنها المرة الأولى التي يكون منها والدها بهذا القرب، أول مرة يكلمها بهدوء وحنان، وأول مرة يقول لها يا عزيزتي.. بل أول مرة يناديها بدل (نجلاء) بابنتي..
تمنت أن ترتمي بين أحضانه وتشكره وتقبل جبينه كما تفعل أي بنت مع أبيها لكن منعها حاجز بناه الجفاء بينها وبينه طيلة سبعة عشر عامًا وصعب عليها اختراقه في لحظة.. إلا أنها سحبت يده تقبلها ولسانها عاجز عن النطق.. رفع شعرها الناعم الذي انحدر كالشلال مع انحنائها على يده وقال لها بنفس لهجته الحنونة: - اذهبي وذاكري الآن أريدك أن تنجحي وتصبحي معلمة رائعة.. هزت رأسها بفرح وغادرت المكان وهو يتابعها بنظره حتى اختفت داخل غرفتها.
المشهد الخامس
الزمان: صباح اليوم التالي.. المكان: مكتب العقيد زافي..
دخل فتحي على زافي الذي كان منشغلاً بمراجعة بعض الأوراق.. تفرغ له ورحب به كما هي عادته مع أغلب الناس.. وما هي إلا دقائق حتى انضم لهما عصام وبدأ زافي أسئلته لفتحي قائلاً: - أثناء جولتنا التفتيشية لبيتك سيد فتحي وجدنا بعض الأدوية فهل عندك علم بمصدرها؟ - نعم, زوجتي تشتريها وتخزنها لوقت الحاجة.. - أليس غريبًا أن نجهز الدواء قبل المرض؟ - عادي جدًا..أعتقد أن الكثير من الناس يفعلون ذلك.. (سكت قليلاً ثم قال) : زوجتي صاحبة هفوات غريبة.. فهي لا تحب أن تحتاج شيئًا ولا تجده على الرغم من أن الصيدلية لا تبعد كثيرًا عن البيت لكن.. (ضحك ثم قال) : تستطيع أن تقول أنها هواية! شاركه زافي الضحك وقال مازحًا: - هل تعرف متى آخر مرة مارست فيها زوجتك هوايتها تلك؟ - لا..
أخرج نفس علبة الدواء التي عرضها عل كرامة من قبل.. وسأله: - علبة الدواء هذه.. ألم ترها من قبل؟ لم يتمعن في النظر إلى العلبة لكنه سكت قليلاً يفكر ثم قال: - قد أكون رأيتها، لكني لا أتذكر هي أو غيرها.. فكل الأدوية تتشابه.. - ألا تستخدم هذه الأدوية؟ - لا أجد لها داع أصلاً.. - لماذا؟ ألا تمرض؟ - بلى, لكني أفضل الأعشاب والأدوية الشعبية عليها.. - ألم تشرف يومًا على الأدوية وترى أن كانت قد انتهت صلاحيتها أم لا.. أو كانت الكمية بحاجة إلى تعبئة؟ - أبدًا.. فتلك مهمة كرامة.. - هل كانت سارة تفرط في استخدام الأدوية؟ - لا.. - هل حدث في الأيام السابقة لموت سارة أنها اشترت دواء للقلب أو ما شابه؟ - ليس عندي فكرة.. لكن هي تستطيع أن تخرج إلى أي مكان وتشتري ما تريد فوالدتها تدللها كثيرًا.. ولا تحرمها من شيء.. وربما هذا ما دفعها للموت.. - ماذا تعني؟ - قبل حادثة وفاتها بعدة أيام تشاجرت مع والدتها لأنها رفضت لها طلبًا.. - تشاجرت مع والدتها؟ لماذا؟ - ألم تخبرك؟ غريبة! - لا, لم تخبرني.. - الأفضل أن تستفسر منها بنفسك.. - أريد أن أسمع منك.. - طلبت سارة من والدتها أن تسافر لكنها رفضت.. طبعًا كرامة معها حق في رفضها فالوقت غير مناسب أصلاً للسفر.. لكن ابنتي (هز رأسه بأسى وتابع قائلاً) : تعودت على الدلال.. فغضبت من والدتها وخاصمتها.. - تعني أن سارة في الأيام القليلة قبل وفاتها لم تكن تتحدث لأمها؟ - تقريبًا.. لا! - وماذا عنك؟ - حاولت أن أراضيها وأصلح بينهما.. لكن سارة كانت عنيدة وأصرت على رأيها فلم أحب أن أضغط عليها وتركتها حتى تهدأ وحدها.. لكني لم أعلم أن عنادها سيوصلها لهذه النتيجة المأساوية.. - تبدو متأكدًا من أن سارة ماتت منتحرة!! - لست متأكدًا.. لكن سارة.... من يقدر على قتلها!! - كيف تفسر وجود الأقراص في كأس العصير إذًا؟ - هذا ما لم أجد له تفسيرًا.. يا سيدي.. أنا متحير فعلاً.. - يعني أنت تستبعد أن تكون روزالي قد قتلتها؟ - لا أعلم.. لكن هذا ما أتمناه.. - لماذا؟ - روز يا سيدي خدمتنا لسنوات طويلة.. منذ أن كانت سارة صغيرة ولا أعتقد أن يكون اتهامنا لها بهذه الطريقة هو مكافأة خدمتها.. (غيّر نبرة صوته وقال بسرعة) : أما إذا كانت هي المذنبة فتستحق الإعدام ألف مرة.. - كيف كانت علاقة سارة بروزالي؟ - جيدة.. فسارة كانت فتاة مسالمة ولطيفة.. ومحبوبة.. وروز كذلك!
بعد فترة خرج فتحي وجاء دور السائق.. فدخل علي زافي مكتبه.. كان يبدو في أواخر العقد الرابع من عمره أشيب الرأس له شارب غليظ وعينان واسعتان وأنف أفطس لكنه سمح الملامح هادئ النظرات، وكان يبدو عليه القلق، لدرجة أن يديه كانت ترتجف وصدره ينخفض ويرتفع بسرعة ملفتة للانتباه، وقد كان زافي من الذكاء حتى يدرك أن حالة هذا الرجل النفسية قد لا تبلغه ما يرنو من استجوابه فوقف حال تقدم الرجل وابتسم في وجهه بوداعة ومد يده مصافحا وهو يقول: - ناصر الدين أليس كذلك؟ تفاجأ الرجل بطريقة الترحيب به فتلفت وراءه قبل أن يدرك أن زافي قد نطق باسمه وقال بارتباك: - نعم, أنا ناصر.. - تفضل أجلس.. - ماذا تشرب؟ - لا شيء سيدي.. شكرًا لك.. - سأطلب لك عصيرًا من الليمون..
قال زافي بعد أن طلب الليمون: - لقد طلبناك من أجل قضية سارة.. هز الرجل رأسه فتابع زافي قائلاً: - سأسألك بعض الأسئلة.. - أنا جاهز يا سيدي.. كانت علامات القلق قد تبددت قليلاً.. وبدأ يشعر بقليل من الأمان.. خاصة بعد أن شرب عصير الليمون.. بدأ زافي أسئلته له قائلاً: - أخبرني, منذ متى وأنت تعمل عند عائلة الحاج؟ - منذ سنتين تقريبًا.. - ما هي وظيفتك بالضبط؟ - سائق.. - وهل من مسؤولياتك أن تشتري احتياجات البيت؟ - نعم يا سيدي فأنا أشتري كل لوازم المطبخ وآخذ الملابس إلى المغسلة وأوصل الآنسة سارة إلى مدرستها.. - وماذا عن السيدة كرامة والسيد فتحي؟ - هما لديهما سيارات خاصة لكني أوصلهما لو حصل أي عطل في سيارة أي أحد منهما كما أن السيدة كرامة تكلفني أحيانًا بمهام دار الأزياء في حال انشغال سائقي الدار - هل تشتري أدوية لو طلب منك أحد ذلك؟ - نعم. - متى طلب منك أحد أن تشتري دواء؟ - طلبت مني السيدة كرامة شراء شرابًا للحلق لكن ذلك كان منذ فترة طويلة.. - وماذا عن روزالي؟ - تطلب بعض المسكنات أحيانا أو الشامبو والصابون.. - ألم تطلب منك شراء دواء للقلب؟ - لا.. - ولا سارة؟؟ - ولا سارة يا سيدي.. - حسنًا ألم تطلب منك أخذها للصيدلية؟ - من؟؟ سارة؟؟
أطرق زافي مفكرًا ثم قال: - نعم.. - في الآونة الأخيرة لم تكن الآنسة الصغيرة تخرج من البيت إلا للمدرسة.. - وماذا عن روزالي؟ - روزالي لا تخرج بدون أذن السيدة كرامة.. لكنها تخرج مع سارة أحيانًا.. - عندما تأخذ سارة إلى الصيدلية هل تشتري أدوية؟ - لا أدري!.. فأنا لا أطلع على حاجيتها.. - ألم يطلب منك أحد أن تشتري دواء للقلب؟ - لا يا سيدي.. كيف كانت علاقة سارة بروزالي؟ - بدت لي محبة رزوالي لسارة كأنها أم لابنتها.. - يعني أنت تستبعد أن تكون روزالي قد قتلتها؟ - هل رزوالي في موضع شك؟ - إننا نحقق في الأمر.. - روز يا سيدي امرأة ريفية بسيطة.. ربما تقدر أن تقتل بسكين.. لكن بدواء؟؟ هذا شيء لا يصدق.. - حدثني عن سارة كيف كانت شخصيتها؟ هل كانت من الضعف أن تقرر الانتحار وتبلع أقراصًا لتنتحر؟ - كانت فتاة لطيفة وحالمة.. لكن كيدهن عظيم..
تفاجأ زافي بجملة ناصر الدين الأخيرة وقال بلهجة مشحونة بالدهشة: - نعم!!! رد ناصر مفسرًا: - النساء.. يمكن أن يفعلن أي شيء.. لا أحد يستطيع أن يحدد خطواتهن وطريقة تفكيرهن يا سيدي.. يفعلن دائمًا اشياء غير متوقعة..
طالع زافي عصام الذي كان يجلس إلى جانبه بعد أن خرج الرجل وقال له: - تعتقد لماذا أخفت علينا أم سارة خلافها مع ابنتها؟ - ربما حتى لا نضعها ضمن قائمة المتهمين.. - هي متأكدة أننا لن نضعها في القائمة لأنها تصر على إيجاد القاتل ولو كانت هي القاتل لما فتحت التحقيق بنفسها.. ولكانت فكرة انتحار سارة من مصلحتها.. - لماذا أخفت ذلك إذًا؟ - ربما حتى لا نتهمها بأنها السبب وراء انتحار سارة؟ - كأنك لم تستبعد فكرة انتحارها يا سيدي! لم يعلق زافي على استنتاج عصام لكنه قال: - الأدوية الفارغة تثير دهشتي.. وكلام كرامة بالأمس يثير حيرتي.. هل لديك أي تفسير؟ - أعتقد يا سيدي أن تلك الأدوية أفرغت بفعل فاعل.. - فعل فاعل ولكن لماذا؟ - لا أدري لكن هذا ما أعتقده.. قطع حديثهما طرقات ثقيلة على الباب.. قال زافي: - ادخل يا بليغ..
دخل بليغ واستوى بينهما.. نظر عصام إلى زافي ولسان حاله يقول: ساحر.. كيف عرف أنه بليغ!! قال زافي محدثًا بليغ: - ماذا كنت ستقول لي بالأمس؟ - كنت سأبلغك أن فتحي الحاج اتصل علي.. وعرض استعداده لتسفير الخادمة في حال ظهور براءتها.. - ولماذا لم تخبرني بذلك أمس قبل أن أحقق معه؟ - لم أشأ أن أتحدث معك وأم سارة هنا.. - لا أعرف لماذا تكرهها.. ابتسم بليغ بخبث وقال: - لكني أعرف لماذا تحبها.. - لماذا؟ غمز بليغ بإحدى عينيه وقال: - المرأة جميلة.. ورشيقة وشابة.. ضحك زافي وقال: - إنها مثل ابنتي يا بليغ.. وإن كنت قد تعاطفت معها فهذا لأنها امرأة والنساء رقيقات وبحاجة إلى اللطف.. والحنان.. والرسول عليه الصلاة والسلام أوصانا بهن وقال: رفقًا بالقوارير.. فكيف لا تريدني أن أتعاطف معها؟ - ما أروع أخلاقك يا سيد زافي..
وجه عصام لبليغ نظره مشحونة بالغضب.. وحدث نفسه قائلاً: آه منك يا منافق.. تقول له ما أروع أخلاقك!!.. ومن وراءه تثير حوله الشائعات وتطعن في شرفه.. هذا من يجب أن يوصف كيده بالعظيم وليس النساء..
قال زافي: - هيا يا عصام أرسل في طلب روزالي.. ودعنا نضع الحروف.. على النقط.. ابتسم عصام.. وقال: - قصدك النقط على الحروف يا سيدي!! ضرب زافي على كتفه بلطف ثم قال: - أعرف.. ولكني قصدت أن أضحكك يا عصام.. فقد اختفت ابتسامتك فجأة.. وأحببت أن أعيدها.. فأنت بها أكثر وسامة.. ضحك عصام.. ثم قام ليستدعي روزالي.. وهو يحدث نفسه قائلاً: ما أطيب قلبك يا سيد زافي.. أبعد عنه كل سوء يا رب.
سنعود بعد قليل _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
عهد الهمم مشرفة المنتدى الإسلامي


 سجّل في : 25 فبراير 2008 عدد المساهمات : 1793 المزاج : عال العال ^_^ رقم العضوية : 7
| موضوع: رد: رسائل حب من المقبرة السبت يونيو 14, 2008 5:55 pm | |
| لجل عيون همم تناطح السحاب نزلتهااا
^_^ _________________

~..~.. اعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب ..~..~ |
|
 | |
|